في المساءات الباردة التي يلف فيها الضباب العجلوني الكثيف تلال عنجرة، كان محمد يسير بخطوات وئيدة بين الممرات الجبلية الوعرة، يحمل على كتفه الحامل الخشبي وكاميرته ذات العدسة الطويلة. كانت مهنته كمصور لتوثيق التفاصيل الهادئة واليومية للطبيعة تأخذه دائماً إلى هذه المرتفعات المنسية، بحثاً عن لقطات تخلد جمال اللحظات العابرة التي قد لا يلتفت إليها أحد في زحام الحياة.

هذه المرة، لم يكن محمد يطارد كائناً غريباً أو يبحث عن لقطات نادرة لحيوانات برية شاردة، كان هدفه الوحيد رصد حركة الضباب وهو ينساب بهدوء بين أشجار البلوط والملول الشامخة، وتوثيق الطريقة التي تداعب بها خيوط الشمس الذهبية أوراق الزيتون الرومي العتيق وتمنحها دفئاً خاصاً تسبق الوداع اليومي.

الضباب يلف تلال عنجرة بغلالة بيضاء كثيفة، تجعل الرؤية صعبة والتصوير مستحيلاً في بعض الأوقات. جلس محمد تحت صخرة رمادية ناتئة، منتظراً أن تزيح خيوط الشمس هذا الغلاف الأبيض الكثيف لتبث الحياة في ألوان الأرض من جديد.

مع اقتراب الغروب، تناهى إلى مسامعه صوت حفيف خفيف بين الأغصان العلوية لشجرة بلوط كبيرة تقف كحارس أثري للزمن. رفع الكاميرا ببطء، وثبتها باتجاه الصوت، وعينه ملتصقة بالعدسة.

من بين أوراق الشجر الرطبة، ظهر رأس طائر دوري صغير، يعكس ريشه البسيط آخر أشعة للشمس الغاربة كأنه يتوهج ببريق فريد وسط العتمة والضباب.

تحركت أصبع محمد نحو زر الالتقاط. توقف لحظة متأملاً هذا الجمال الخالص عبر الزجاج. شعر أن ضغطة الزر وصوت الغالق الميكانيكي قد يفزعان هذا الكائن الوديع، ويسلبان هذه اللحظة هدوءها الفريد.

أنزل الكاميرا ببطء وهدوء. قرر أن يكتفي بالمشاهدة العميقة، متيحاً لعينيه وحدهما تسجيل هذا المشهد العفوي البسيط.

فرد الطائر جناحيه الصغيرين، وحلق عالياً في السماء المتلونة بصبغة الشفق، متلاشياً بين سحب الضباب المنسابة فوق أودية عجلون السحيقة.

غابت حركة الأجنحة في المدى البعيد. أرخى محمد يديه، وترك آلة التصوير معلقة حول عنقه، مستمعاً إلى الصمت الكثيف الذي خلفه رحيل الطائر. لم تكن هناك صورة رقمية جديدة تُضاف إلى رصيده المهني، وإنما كان هناك دفء خاص انطبع في وجدانه، وصوت ريح خفيفة تداعب أوراق الشجر الرطبة في أولى ساعات المساء الدافئ فوق جبال عنجرة.

خالد الشطناوي