تنفذ القوات الاسرائيلية عمليات مكثفة في جنوب لبنان تستهدف بالدرجة الاولى تفكيك البيئة الحاضنة لحزب الله عبر سياسة الارض المحروقة والتهجير القسري. وتعتمد تل ابيب في تحركاتها الراهنة على استراتيجية الشتات التي تهدف الى تحويل القرى والبلدات الى مناطق غير صالحة للسكن. في محاولة لفرض واقع ديموغرافي جديد ينهي الوجود السكاني الداعم للمقاومة.
وتكشف المعطيات الميدانية ان الجيش الاسرائيلي انتقل من مرحلة الاشتباك العسكري التقليدي الى خطة شاملة لاخلاء مساحات واسعة من الاراضي اللبنانية. واظهرت التحليلات ان هذه السياسة تستهدف خلق اختلالات في التركيبة السكانية اللبنانية على المدى البعيد. مما يثير مخاوف حقيقية من تفجير الداخل اللبناني عبر توترات طائفية واجتماعية مفتعلة.
واكد خبراء عسكريون ان اسرائيل تسعى من خلال هذه العمليات الى تقليص قدرة حزب الله على التحرك في المناطق الحدودية. وبينت التقارير ان اوامر الاخلاء شملت مساحات شاسعة تقدر بخمس مساحة لبنان. مما يضع السكان امام واقع التهجير الدائم تحت ضغط النار والقصف المستمر للمراكز الحيوية.
ابعاد استراتيجية الشتات والتهجير
واوضح منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى اليونيفيل العميد منير شحادة ان اسرائيل تتبنى سياسة جعل مناطق الجنوب غير قابلة للحياة لدفع السكان نحو النزوح الجماعي. واضاف ان العدوان الاسرائيلي تسبب في سقوط آلاف القتلى والجرحى وتدمير البنية العمرانية بشكل ممنهج. في محاولة لكسر ارادة المجتمع الجنوبي.
وذكر الخبير العسكري حسن جوني ان استراتيجية الارض المحروقة تشمل مدنا اساسية مثل صور والنبطية لضرب العمق التاريخي والاجتماعي للمنطقة. واشار الى ان هذه العمليات تهدف الى منع عودة الاهالي الى قراهم. مما يسهل على القوات الاسرائيلية تثبيت وجودها في منطقة عازلة داخل الاراضي اللبنانية.
واشار المحلل السياسي هادي قبيسي الى ان خطة الاخلاء ليست عشوائية بل هي عملية متعددة الاوجه تضغط على الضاحية والبقاع والجنوب معا. واضاف ان هذه السياسة تهدف الى اضعاف القدرة التنظيمية لحزب الله من خلال ضرب بيئته الشعبية وتشريد قاعدته الجماهيرية.
تغيير ديمغرافي ومخاطر داخلية
وكشفت الدراسات العبرية الصادرة مؤخرا عن وجود توجه لما يسمى بعقيدة الركام التي تهدف الى تدفيع السكان ثمن وجود المقاومة. واكد العميد شحادة ان الخطر الديمغرافي يظل احتمالا قائما في حال نجحت اسرائيل في منع عمليات اعادة الاعمار بعد الحرب. مما يترك النازحين في مراكز الايواء لفترات طويلة.
وبين المحلل علي مطر ان هناك وعيا شعبيا كبيرا في لبنان بخطورة هذه المخططات التي تحاول استغلال الهشاشة الطائفية. واوضح ان المقاومة تدرك جيدا ان الهدف الاسرائيلي هو احداث اقتتال داخلي عبر تأليب المكونات اللبنانية على بعضها البعض وتحويل بيئة الحزب الى حاضنة محاصرة وغاضبة.
واضاف الخبير امين قمورية ان لبنان يفتقر الى مشروع وطني جدي لمواجهة التبعات الاجتماعية والسياسية للنزوح. واكد ان الخشية من ضرب الاستقرار الداخلي تزداد مع استمرار الضغط العسكري. مشيرا الى ان التركيبة الطائفية في لبنان لا تزال تشكل نقطة ضعف تستغلها اسرائيل لتحقيق مكاسب سياسية.
مستقبل بيئة المقاومة في مواجهة الضغوط
وقال العميد شحادة ان التأثيرات العميقة لهذه الحرب قد تفرض تحديات تنظيمية وسياسية على حزب الله. واضاف ان صمود المجتمع الجنوبي يظل حائط الصد الاول ضد مشاريع التفكيك التي تديرها اسرائيل. مؤكدا ان التاريخ يثبت فشل هذه السياسات في كسر الحركات الثورية.
واشار علي مطر الى ان استطلاعات الرأي تظهر التفافا شيعيا قويا حول المقاومة رغم كل الضغوط الاقتصادية والتهجير. واوضح ان السكان الجنوبيين باتوا ينظرون الى معركتهم كحرب وجودية تفرض عليهم التمسك بالارض وعدم الانجرار خلف مخططات التهجير الدائم.
وختم الخبراء بالتأكيد على ان حزب الله يعتمد استراتيجية اجتماعية وتعبوية للحفاظ على ترابط مجتمعه. واضافوا ان الحزب يراهن على افشال الرهان الاسرائيلي عبر التمسك بالعودة واعادة الاعمار. بينما تظل نتيجة هذا الصراع مرتبطة بقدرة المجتمع على التكيف مع الاعباء الاقتصادية والسياسية المفروضة عليه.
