تتفاقم ازمة السيولة النقدية في اليمن بشكل متسارع لتلقي بظلالها القاتمة على المشهد الاقتصادي والمعيشي في البلاد. وعلى الرغم من الاعتقاد السائد بان الازمة تنحصر في نقص الاوراق النقدية المطبوعة، يؤكد خبراء اقتصاد ان المشكلة الحقيقية تكمن في اتساع الفجوة العميقة بين البنوك والسوق المحلي. وتظل معظم الاموال النقدية متداولة خارج القنوات المصرفية الرسمية، مما جعل السياسات النقدية التي يتبناها البنك المركزي اليمني تفقد فاعليتها وتفشل في احتواء التداعيات المستمرة.
واشار خبراء الى ان البنك المركزي اليمني لم يعلن عن تدابير جذرية قادرة على انهاء معاناة القطاع المصرفي في توفير السيولة الكافية للمعاملات اليومية. واضافوا ان جميع الاجراءات المتخذة خلال الفترة الماضية لم تنجح في استعادة ثقة المتعاملين، خاصة مع استمرار التحديات التي تواجه البنوك في تأمين احتياجات المواطنين والشركات من العملة المحلية.
وبين الخبير الاقتصادي رشيد الانسي ان توصيف الازمة كنقص في النقد هو توصيف غير دقيق، موضحا ان الاموال متوفرة وبكثرة في الاسواق ولكنها بعيدة عن الرقابة المصرفية. واكد ان القيود الادارية واليات العمل التقليدية التي تفرضها البنوك جعلتها اقل جاذبية مقارنة بشركات الصرافة التي توفر مرونة اكبر وسرعة في تنفيذ التحويلات المالية.
تحديات الهيكل المصرفي والازمة البنيوية
واوضح الانسي ان البنوك تضع قيودا صارمة على سقف التحويلات وساعات العمل، مما دفع التجار والافراد للجوء الى شركات الصرافة والقطاع غير الرسمي. وشدد على ان هذا التحول ادى الى حرمان الجهاز المصرفي من السيولة اللازمة، وهو ما يفاقم من تعقيدات الاقتصاد اليمني الذي شهد انكماشا حادا خلال العقد الاخير نتيجة الحرب الدائرة وتداعياتها الكارثية على الناتج المحلي الاجمالي.
واكد الباحث الاقتصادي عبد الحميد المساجدي ان الازمة تتجاوز الادوات النقدية للبنك المركزي لتصل الى بنية مؤسسية متهالكة تفتقر الى ادوات جذب السيولة مثل شهادات الايداع. واضاف ان الانقسام النقدي والمؤسسي الذي خلفته الحرب ادى الى تشظي المنظومة المالية، مما جعل القرار النقدي ضعيفا وغير قادر على السيطرة على حركة الاموال في بيئة اقتصادية مضطربة.
وكشف المساجدي ان الاقتصاد الموازي الذي انشأته جماعة الحوثي يعتمد بشكل كلي على التعاملات غير المصرفية، مما يفرض ضغوطا اضافية على المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية. واكد ان هذه الممارسات تسببت في خلق بيئة مالية غير مستقرة تفتقر الى التنظيم، وهو ما يعيق جهود البنك المركزي في بسط نفوذه على الكتلة النقدية المتداولة.
استراتيجيات الاصلاح والحلول المقترحة
واشار الخبير الاقتصادي عبد السلام الاثوري الى ان تفكك مؤسسات الدولة ادى الى تسرب الاموال نحو المضاربات في العملات الاجنبية بدلا من استثمارها في الدورة الاقتصادية. واكد ان شركات الصرافة اصبحت هي المتحكم الفعلي في جزء كبير من السيولة، مما يفاقم من اختلالات السوق النقدي ويؤدي الى تآكل القيمة الشرائية للعملة الوطنية.
وذكر الاثوري ان رفع اسعار الفائدة وتشديد الرقابة لم يثمر عن نتائج ملموسة حتى الان، مبينا ان هذه الحلول تظل سطحية ما لم تتبعها اصلاحات هيكلية شاملة. واضاف ان الحل يكمن في رقمنة الرواتب وتوسيع نطاق الدفع الالكتروني ودمج شركات الصرافة ضمن نظام مصرفي موحد لتقليل الاعتماد على النقد الكاش.
واكد في ختام تحليله ان معالجة ازمة السيولة في اليمن تتطلب ارادة سياسية قوية لاعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي. واضاف ان الاصلاحات يجب ان تبدأ بتدقيق القوائم الوظيفية وازالة الازدواجية، مع تعزيز الشفافية في ادارة الايرادات العامة لضمان عودة الاموال الى مساراتها الرسمية وتنشيط الاقتصاد الوطني.
