تعيش نيجيريا مفارقة اقتصادية صارخة حيث تمتلك واحدة من اغنى البقاع بالموارد الطبيعية في القارة السمراء من نفط وغاز ومعادن ومع ذلك يقبع ملايين السكان تحت وطأة الفقر المدقع والبطالة المزمنة وتدهور الخدمات العامة. وتثير هذه الحالة تساؤلات ملحة حول اسباب عجز الدولة عن تحويل ثرواتها الهائلة الى واقع تنموي ملموس يرفع من مستوى معيشة المواطنين الذين يتطلعون الى حياة افضل في بلد يملك كافة مقومات النهوض الاقتصادي.
واكد تقرير ميداني رصد حالة من الاحباط الشعبي المتصاعد في الشارع النيجيري تجاه السياسات الحكومية المتبعة في ظل محاولات رسمية لتحقيق نمو اقتصادي عبر اصلاحات هيكلية تواجه عقبات امنية واقتصادية مركبة. واضاف المواطنون في حديثهم ان معاناتهم اليومية تتفاقم بسبب غياب فرص العمل وتهاوي قيمة العملة المحلية امام الدولار مما يجعل الوعود الرسمية بالاصلاح تبدو بعيدة المنال عن واقعهم المرير.
وبين المحللون ان فئة الشباب المتعلم هي الاكثر تضررا حيث تصطدم طموحاتهم بواقع سوق عمل عاجز عن استيعاب مؤهلاتهم بسبب تراجع الانتاجية وضعف السياسات الاقتصادية التي ادت الى تهميش قطاعات حيوية كانت تشكل في السابق ركيزة للاقتصاد الوطني قبل الهيمنة المطلقة لقطاع النفط على مفاصل الدولة.
ازمة الطاقة وهروب الاستثمارات
وكشف خبراء الاقتصاد ان قطاع الطاقة يمثل العصب الميت في الجسد النيجيري حيث تعاني المصانع من تكاليف انتاج باهظة نتيجة تهالك شبكات الكهرباء والاعتماد الكلي على المولدات الخاصة مما دفع العديد من الشركات الى نقل اعمالها نحو دول افريقية اكثر استقرارا في توفير الطاقة. واوضح اكاديميون ان سوء الادارة وتغليب الحسابات السياسية على الرؤى التنموية طويلة الاجل ساهم بشكل مباشر في عجز البلاد عن استثمار مواردها الطبيعية بشكل فعال ومستدام.
واشار المختصون الى ان المفارقة الاكثر ايلاما تتمثل في اضطرار نيجيريا لتصدير النفط الخام والغاز ثم اعادة استيراد المشتقات المكررة بأسعار مرتفعة بسبب خروج المصافي المحلية عن الخدمة او عملها بقدرات محدودة للغاية. واكد هؤلاء ان هذا الاستنزاف للموارد يستنزف الخزينة العامة ويحرم البلاد من عوائد كان يمكن توجيهها لقطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية.
سرقة الموارد وتحديات الامن
واظهرت تقديرات ميدانية ان نيجيريا تفقد يوميا مئات الالاف من براميل النفط نتيجة عمليات السرقة المنظمة عبر الانابيب والمنشآت النفطية في المناطق التي تشهد اضطرابات امنية واسعة. واضاف الباحثون ان هذه الانشطة الاجرامية لا تكتفي بتهريب الثروة بل تساهم في تمويل جماعات خارجة عن القانون وتعرقل جهود الدولة في بسط سيطرتها على مواردها الاستراتيجية.
وشدد خبراء الامن على ان استنزاف الموارد يتزامن مع عمليات عسكرية متواصلة في معظم الاقاليم الجيوسياسية مما يستهلك جزءا كبيرا من الموازنة العامة في الجانب الامني بدلا من التنمية. واكدوا ان الفساد المستشري وضعف الحوكمة يظلان التحدي الاكبر الذي يمنع استفادة السكان من ضخامة الاقتصاد الذي يضم اكبر عدد من الملايين في افريقيا ولكن في مقابل حرمان شديد للاغلبية العظمى.
