تشهد القارة الاوروبية حالة من الاستنفار المناخي مع اجتياح موجات حر قياسية تفرض ضغوطا ثقيلة على الاقتصاد ومداخيل الافراد. واظهرت البيانات ان درجات الحرارة التي لامست حاجز الاربعين درجة مئوية في عدة دول مثل فرنسا وبريطانيا وهولندا لم تعد مجرد ظاهرة طقس عابرة بل باتت تشكل تهديدا مباشرا لاستقرار الاسر وقدرة الشركات على الانتاجية. وكشفت هيئات الارصاد الجوية عن انذارات حمراء شملت مساحات واسعة من القارة مما ادى الى تعطل حركة القطارات واغلاق المدارس واضطراب في شبكات الكهرباء والخدمات العامة.

تأثير الحرارة على الدخل والفقر

وبينت دراسات حديثة ان التغيرات المناخية المتطرفة ساهمت في اتساع رقعة الفقر في اوروبا بشكل ملحوظ خلال العقدين الاخيرين. واكد الباحثون ان تزامن موجات الحر مع فترات الجفاف يقلص متوسط دخل الاسر بنسب متفاوتة تصل في بعض المناطق الاوروبية الاكثر تضررا الى نحو عشرة بالمئة. واوضحت النتائج ان الفئات محدودة الدخل هي الاكثر عرضة لهذه المخاطر نظرا لطبيعة اعمالهم في قطاعات الزراعة والبناء والنقل التي لا توفر بيئة عمل محمية من درجات الحرارة المرتفعة.

واضافت التقارير ان الفجوة بين الاغنياء والفقراء تزداد عمقا مع كل موجة حر جديدة حيث تفقد الاسر الاقل دخلا جزءا اكبر من مواردها المالية مقارنة بغيرهم. واشار الخبراء الى ان هذه الظروف تضطر العمال الى تقليص ساعات العمل الفعلية او اللجوء الى فترات راحة طويلة لتجنب مخاطر الاجهاد الحراري وهو ما ينعكس سلبا على الانتاجية العامة للاقتصاد الاوروبي.

تراجع الانتاجية وتضخم التكاليف

واكد مركز البحوث المشترك التابع للمفوضية الاوروبية ان الاجهاد الحراري يؤدي الى تراجع ملموس في اداء العاملين داخل المؤسسات والشركات. وشدد التقرير على ان استمرار هذه الموجات قد يكبد اقاليم جنوب اوروبا خسائر فادحة في الناتج المحلي الاجمالي خلال العقود القادمة. وبينت الملاحظات الميدانية ان الشركات الصغيرة هي الاكثر تضررا من هذه التغيرات حيث تضعف قدرتها على المنافسة مع تزايد ايام الحرارة المرتفعة والرطوبة العالية.

واوضحت وكالة البيئة الاوروبية ان تكلفة الظواهر المناخية المتطرفة بلغت مئات المليارات من اليورو خلال السنوات الاخيرة. واضافت ان الانفاق العام يتجه بشكل متزايد نحو تغطية تكاليف الطوارئ الصحية وتعويضات المتضررين من الكوارث الطبيعية وحماية البنية التحتية المتهالكة بفعل الحرارة. واكدت ان هذه الاعباء المالية تضع الموازنات الحكومية تحت ضغط مستمر مما يعيق خطط النمو الاقتصادي المستدام في المنطقة.

مستقبل الاقتصاد في ظل الاحترار

وبينت خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ ان اوروبا تعد من اسرع قارات العالم احترارا مما يضعها امام تحديات وجودية تتطلب سياسات تكيف عاجلة. واوضحت الدراسات الاستشرافية ان السيناريوهات المناخية المستقبلية قد تؤدي الى انخفاضات حادة في دخل الاسرة الاوروبية اذا لم يتم كبح جماح الاحترار العالمي. واكدت ان دول جنوب وشرق اوروبا هي الاكثر عرضة لهذه التداعيات مما يستدعي تحركا دوليا جماعيا لتقليل الاثار الاقتصادية والاجتماعية لهذه الموجات المتكررة.