تسعى موسكو في الوقت الراهن الى اعادة رسم خارطة نفوذها داخل الاراضي السورية من خلال التحول نحو التوسع الاقتصادي بدلا من الاعتماد الكلي على الوجود العسكري التقليدي، حيث كشفت تحركات حديثة عن عزم روسيا تشغيل مركز لوجستي تجاري ضخم داخل ميناء طرطوس الحيوي. وتأتي هذه الخطوة في اطار مساعي الكرملين لضمان موطئ قدم دائم في المنطقة الحيوية عبر بوابة التجارة الدولية، وذلك تزامنا مع مفاوضات تجري خلف الكواليس مع دمشق لتنظيم مستقبل القواعد العسكرية الروسية القائمة حاليا.

واكدت مصادر مطلعة ان المركز اللوجستي الجديد سيشغل احدى الرصيفين المخصصين للقاعدة البحرية الروسية في طرطوس، مع الابقاء على الرصيف الاخر للعمليات العسكرية الاستراتيجية. واوضحت التقارير ان المشروع يستهدف في مرحلته الاولى استقبال كميات ضخمة من السلع الاساسية كالحبوب والزيوت والاخشاب والصلب، بطاقة تداول تصل الى ربع مليون طن شهريا، مما يعزز دور روسيا كشريك تجاري اول لسوريا في مرحلة ما بعد التغيرات السياسية الاخيرة.

واضافت الجهات المعنية بالمشروع ان هذا المركز لا يقتصر على خدمة السوق السوري فحسب، بل يطمح ليكون منصة اقليمية لتوزيع البضائع الروسية نحو العراق والاردن ودول الخليج العربي. وبينت التقديرات ان ربط المشروع بصندوق سوريا السيادي يمنحه ثقلا استثماريا كبيرا، حيث من المقرر انطلاق العمليات التشغيلية للميناء في منتصف الشهر الحالي عبر استقبال اول شحنة حبوب ضخمة.

ابعاد التوسع الروسي في طرطوس

وكشفت التطورات الاخيرة ان المشروع جاء ثمرة تفاهمات رفيعة المستوى بين القيادتين الروسية والسورية، حيث اعتبر الجانبان ان هذه الشراكة تمثل نقطة تحول جوهرية في مسار التعاون الاقتصادي الثنائي. واوضحت مصادر في وزارة الخارجية الروسية ان موسكو ودمشق تعملان حاليا على اعادة صياغة شكل الوجود العسكري واللوجستي بما يخدم المصالح المشتركة في ظل المتغيرات الاقليمية المتسارعة.

وذكر مراقبون ان روسيا نجحت في تعزيز هيمنتها على قطاعات استراتيجية داخل سوريا، حيث تشير البيانات الجمركية الى استحواذها على حصة الاسد من واردات القمح السوري خلال العامين الماضيين. واكد الخبراء ان هذا المركز اللوجستي يمنح موسكو ورقة ضغط اقتصادية قوية تضمن استمرار نفوذها حتى في حال تقليص عديد قواتها على الارض.

واشار مسؤولون الى ان هذه التحركات تهدف الى خلق سلاسل امداد مستقرة تضمن تدفق النفط الخام والسلع الروسية الى الداخل السوري، وهو ما ظهر جليا في حجم الواردات النفطية التي استقبلتها سوريا عبر الموانئ خلال الفترة الماضية. واضاف المختصون ان وجود المركز داخل منطقة مقيدة في الميناء يضمن الامن التشغيلي للمشاريع الروسية ويحمي الاستثمارات من التقلبات السياسية.

المنافسة الدولية على اعادة الاعمار

وكشفت واشنطن عن قلقها المتزايد تجاه هذه المبادرات الروسية، حيث تراقب الادارة الامريكية عن كثب التوسع اللوجستي في طرطوس في ظل سعيها لفرض نفوذ شركاتها في قطاع اعادة الاعمار السوري. واوضحت مصادر دبلوماسية ان واشنطن تضغط باستمرار على دمشق لتفضيل الشراكات الغربية والالتزام بحزمة العقوبات الدولية المفروضة على روسيا.

وشدد مسؤول في الخارجية الامريكية على ان بلاده تواصل حث الجانب السوري على الانفتاح نحو شركاء دوليين اكثر موثوقية بعيدا عن النفوذ الروسي المباشر. واضاف ان واشنطن تعتبر ان المشروعات التي تقودها موسكو قد لا تساهم في تحقيق الاستقرار المطلوب في البلاد، مؤكدا ان الصراع على الموارد والمرافق الحيوية في سوريا بات يشكل جزءا رئيسا من التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى.

وختم المحللون بالتأكيد على ان ميناء طرطوس سيظل ساحة للمنافسة الاقتصادية الدولية، حيث تراهن روسيا على خبرتها اللوجستية وتواجدها الميداني لكسب الرهان في معركة اعادة الاعمار، بينما تحاول واشنطن استخدام نفوذها المالي والسياسي لتحجيم هذا الدور المتنامي.