تشهد الساحة الصحية العالمية تحولات مقلقة مع تزايد وتيرة الامراض حيوانية المنشا التي لم تعد تقتصر على نطاقات جغرافية محدودة بل تحولت الى تهديد مباشر للامن الصحي الدولي. وتكشف بيانات منظمة الصحة العالمية ان نحو خمسة وسبعين بالمئة من الامراض المعدية الناشئة لدى البشر تعود في اصولها الى مصادر حيوانية، بينما توضح مراكز السيطرة على الامراض والوقاية منها ان ستة من كل عشرة امراض معروفة تنتقل عبر هذا المسار المعقد. وتظهر التقارير ان العقود الثلاثة الاخيرة سجلت ظهور ثلاثين مسببا مرضيا جديدا انتقل من الحيوان الى الانسان، مما يضع العالم امام تحديات غير مسبوقة في ادارة هذه الازمات الصحية المتلاحقة.

واكد الدكتور عبد الله سامي مدير وحدة الصحة الواحدة بمركز ابحاث كلية الطب بجامعة عين شمس ان قصة تفشي فيروس غرب النيل في نيويورك قبل عقود كانت بمثابة جرس انذار حول سرعة انتقال الفيروسات عبر الطيور المهاجرة والبعوض. واوضح ان هذه الواقعة تجسد كيف يمكن لمرض ان يقفز من الحيوان الى الانسان ليتحول في وقت قياسي الى تهديد عالمي يتجاوز الحدود والقارات. واشار الى اننا نعيش في عالم مترابط يجعل من انتقال العدوى امرا حتميا اذا لم يتم اتخاذ تدابير استباقية صارمة.

مسببات الامراض وتوزيعها الجغرافي

وبين الدكتور عبد الله ان كل مرض حيواني المنشا يتبع ما يعرف بالمثلث البيئي الذي يضم المستودع الحيواني والناقل البيولوجي وتواجد الانسان في دائرة الاحتكاك. واضاف ان امراضا مثل حمى الوادي المتصدع ترتبط بتوفر الماشية والبعوض، بينما تظل خفافيش الفاكهة مصدرا رئيسا لفيروسات ايبولا وماربورغ في الغابات الافريقية. وشدد على ان تغير المناخ والسفر والتجارة العالمية قد ساهمت في تغيير الخريطة الوبائية ونقل هذه الامراض الى مناطق جغرافية لم تكن تعرفها من قبل.

واشار الى ان المنطقة العربية تمتلك خصوصية في هذا الملف نظرا لانتشار تربية الابل والماشية والاغنام التي تعد حاضنة لبعض الامراض مثل متلازمة الشرق الاوسط التنفسية والبروسيلا. واوضح ان النزاعات والحروب كما حدث في سوريا مع داء الليشمانيات تلعب دورا كارثيا في انهيار الخدمات البيئية وتسهيل انتشار الامراض نتيجة النزوح وتدهور البنية التحتية.

العوامل المسرعة لظهور الاوبئة

واكد الخبير ان تزايد القلق العالمي يرجع الى عوامل متداخلة ابرزها الزيادة السكانية والتوسع العمراني الجائر على حساب الغابات وتكثيف تربية الحيوانات. واضاف ان ظاهرة التسرب التي ينتقل فيها الميكروب من الحياة البرية الى البشر اصبحت اكثر شيوعا نتيجة الاحتكاك المباشر. وبين ان فيروسات هانتا التي تنتقل عبر القوارض تعطي نموذجا حيا على كيفية تحول العوامل البيئية الى مخاطر صحية جسيمة تهدد حياة البشر في اسيا واوروبا والامريكتين.

واوضح ان تغير المناخ يعمل كمحفز مباشر لتوسيع نطاق الحشرات الناقلة للامراض كالقراد وذبابة الرمل والبعوض. وشدد على ان هذا الاجتماع بين الظروف المناخية والنشاط البشري يخلق بيئة مثالية لظهور سلالات جديدة او عودة امراض كان يعتقد انها تحت السيطرة. واكد ان اللقاحات تظل خط الدفاع الاول لكنها ليست الحل الوحيد في ظل استمرار التحديات البيئية.

مقاومة المضادات ومستقبل الصحة الواحدة

وكشفت الدراسات ان مقاومة المضادات الحيوية تمثل تهديدا وجوديا، حيث اصبحت نسبة كبيرة من حالات العدوى البكتيرية مقاومة للعلاج التقليدي. واضاف الدكتور عبد الله ان الاستخدام المفرط للمضادات في قطاع الزراعة وتربية الحيوانات يسهم بشكل مباشر في ظهور سلالات بكتيرية شرسة تنتقل الى الانسان. وشدد على ان هذا الملف يعد احد اخطر سيناريوهات الاوبئة القادمة التي تتطلب تحركا دوليا موحدا.

واختتم موضحا ان مفهوم الصحة الواحدة يمثل ضرورة ملحة وليس خيارا، حيث يجمع بين جهود الاطباء البشريين والبيطريين وخبراء البيئة في منظومة ترصد متكاملة. واكد ان العالم اليوم اصبح اكثر استعدادا بفضل التطور التقني في اللقاحات، الا ان اليقظة المستمرة والتعاون الدولي يظلان السبيل الوحيد لتجنب الجائحة المقبلة في ظل عالم دائم التغير.