يواجه الاقتصاد الصيني تحديات هيكلية متزايدة بعدما كشفت بيانات حديثة عن ارتفاع قياسي في حالات التخلف عن سداد قروض المستهلكين، الامر الذي يلقي بظلال قاتمة على جهود بكين الرامية لتحفيز الانفاق المحلي. ويعاني الكثير من الافراد، مثل عامل الصيانة جاك تشين، من تراكم التزامات مالية ثقيلة نتيجة تراجع الدخل وضبابية سوق العمل، مما حول احلام الاستهلاك الى كابوس من الديون المتعثرة التي ترفض البنوك تمويلها مجددا.
واضافت المؤشرات الاقتصادية الاخيرة ان وتيرة نمو الناتج المحلي تباطأت الى مستويات مقلقة، حيث تسبب ضعف الانفاق الاستهلاكي في عرقلة قطاعات التصنيع والتصدير. وبينت التقارير ان البنوك التجارية اصبحت اكثر حذرا في منح الائتمان، مفضلة تشديد معايير الاقراض لتجنب المزيد من الخسائر بدلا من الاستجابة لدعوات الحكومة بضخ السيولة في الاسواق.
واكد المحللون ان المعضلة تكمن في ان الفئات الاكثر طلبا للاقتراض هي الاقل جدارة ائتمانية، مما يعمق مخاطر الاصول لدى المؤسسات المالية. واوضح خبراء في وكالة موديز ان الطبقات ذات الملاءة المالية العالية باتت تتجنب الاقتراض الاستهلاكي، بينما يظل ذوو الدخل المحدود غارقين في الديون، مما يرفع احتمالات تعثر نسبة كبيرة من البالغين الصينيين في المستقبل القريب.
تداعيات تعثر القروض على الاستقرار المالي في الصين
وكشفت ارقام شركة جافيكال دراغونوميكس ان اجمالي رصيد القروض المتعثرة للاسرة سجل مستويات تاريخية، حيث تجاوز حاجز التريليونات من اليوانات. واظهرت التحليلات ان هذا الارتفاع الحاد في الديون المعدومة هو نتيجة مباشرة لسياسات تخفيف شروط الائتمان التي اتبعتها السلطات العام الماضي سعيا لتحقيق اهداف الاستهلاك الوطنية.
واشار مصرفيون الى ان المؤسسات المالية بدأت تعتمد استراتيجيات مرنة لادارة الازمة، مثل اعادة هيكلة الديون او تمديد فترات السداد لتجنب تصنيف القروض كمتعثرة رسميا. وشدد موظفون في بنوك كبرى على ان الوضع الحالي لقروض التجزئة يتسم بالخطورة، مع تزايد الاعتماد على الحلول الودية مع العملاء المتعثرين بدلا من الاجراءات القانونية الفورية.
واظهرت البيانات المالية للبنوك الخمسة الكبرى في الصين ارتفاعا ملموسا في نسب القروض الشخصية المتعثرة، وهو ما يعكس هشاشة الوضع المالي للافراد. وبينت التقارير ان البنوك الرائدة في تمويل الافراد، مثل بنك تشاينا ميرشانتس، سجلت زيادات متتالية في نسب التخلف عن سداد بطاقات الائتمان، مما يعزز فرضية ان الارقام الحقيقية قد تكون اعلى بكثير مما تعلنه المؤسسات.
هل تنجح الحوافز الحكومية في انقاذ الاستهلاك الصيني؟
وتسعى بكين باستمرار لتقديم حوافز جديدة لدعم الاقتراض، بما في ذلك زيادة سقف الدعم وتوسيع نطاق خطط التقسيط عبر البطاقات الائتمانية. واكد خبراء اقتصاد ان هذه الحلول قد تكون قاصرة، حيث ان العائق الحقيقي امام تعزيز الانفاق لا يكمن في توفر الائتمان، بل في ضعف نمو الدخل وغياب شبكة امان اجتماعي قوية تحفز الناس على الانفاق بدلا من الادخار الاحترازي.
واضاف الخبير الاقتصادي مينكسيونغ لياو ان ضخ قروض استهلاكية رخيصة للاسرة التي لا ينمو دخلها الحقيقي يعد وصفة مثالية لتفاقم مشكلة الديون. واوضح ان التوجه الحكومي الحالي قد يؤدي الى نتائج عكسية، حيث يجد المقترضون انفسهم محاصرين بفوائد لا يستطيعون سدادها، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي على المدى الطويل.
وكشفت شهادات ميدانية لعملاء في مدن مثل قوانغتشو عن وجود حالة من العزوف الشعبي عن الاقتراض الجديد، رغم العروض التسويقية المغرية من البنوك. واكد هؤلاء ان اولوية الاسرة الان هي البقاء المالي وتقليص النفقات بدلا من الانجرار وراء خطط التقسيط التي قد تزيد من اعبائهم المعيشية في ظل اقتصاد يفتقر الى اليقين.
