تتحرك بكين بخطوات متسارعة نحو فرض رؤيتها الخاصة على مستقبل التكنولوجيا العالمية، حيث طرح الرئيس الصيني شي جينبينغ استراتيجية شاملة تهدف الى اعادة صياغة قواعد حوكمة الذكاء الاصطناعي دوليا. وبدا واضحا ان الصين تسعى لتقديم نفسها كقائدة لنظام تقني جديد يرتكز على الانفتاح والتعاون المشترك، وذلك في محاولة مباشرة لكسر احتكار النماذج التي تفرضها الولايات المتحدة على الاسواق العالمية.
واكد الرئيس الصيني خلال افتتاح المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي على ضرورة اغتنام الفرص التاريخية التي تتيحها هذه التقنيات، محذرا في الوقت ذاته من مغبة نشوء مظالم دولية جديدة في حال استمرت مجموعة محدودة من الدول في احتكار هذه الادوات المتقدمة. واشار الى ان التكنولوجيا يجب ان تكون منفعة عامة متاحة للجميع، بدلا من كونها اداة ضغط تقني او سياسي في يد القوى الكبرى.
واوضح المحللون ان خطاب بكين يمثل اوضح رسالة سياسية حتى الان حول طموحها في قيادة المعايير التقنية العالمية، خاصة في ظل القيود التي تفرضها واشنطن على تصدير الرقائق المتطورة. واضاف التقرير ان الصين تراهن على النماذج مفتوحة المصدر لجذب دول الجنوب العالمي، مما يمنحها نفوذا دبلوماسيا وتقنيا متناميا يتجاوز حدود المنافسة الاقتصادية التقليدية.
تحالفات دولية ونفوذ صيني متصاعد في عالم التقنية
وشددت بكين على اهمية منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي التي تضم في عضويتها 29 دولة، معتبرة اياها حجر الزاوية في بناء نظام دولي اكثر عدالة. وبينت الصين انها ستعمل على توفير برامج تدريب متخصصة وتأسيس مراكز بحثية مشتركة مع دول مجموعة بريكس والاتحاد الافريقي، مما يعزز حضورها في الاسواق الناشئة التي تبحث عن بدائل تقنية ميسورة التكلفة.
واضاف الخبراء ان المبادرات الصينية تعكس رغبة حقيقية في عدم التبعية لاي نموذج غربي، بل التوجه نحو رسم خارطة طريق خاصة تضع الصين في مركز القرار التكنولوجي. واكدت التقارير ان هذه التحركات تمنح بكين ادوات ضغط جديدة في المحادثات رفيعة المستوى مع الادارة الاميركية، مما يحول معارض التكنولوجيا الى ساحات للصراع الجيوسياسي.
وكشفت شركات صينية ناشئة عن نماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة المصدر تضاهي في قوتها نظيراتها الاميركية، مما يعكس تقلص الفجوة التكنولوجية بفضل الدعم الحكومي المكثف. واظهرت البيانات نموا متسارعا في حجم السوق الصيني، حيث باتت البلاد تحتضن آلاف الشركات التي تتنافس لتقديم حلول ذكية بتكاليف اقل، مما يضع الشركات الكبرى في وادي السيليكون امام تحديات تنافسية غير مسبوقة.
مستقبل الحوكمة الرقمية بين السيطرة البشرية والابتكار
واكد شي جينبينغ على ضرورة ابقاء انظمة الذكاء الاصطناعي تحت الرقابة البشرية المباشرة، داعيا الى انشاء آليات انذار مبكر للتعامل مع المخاطر المحتملة. واوضح ان الصين تسعى لتبني نهج يركز على الانسان في تطوير التطبيقات، مع وضع قوانين ولوائح تضمن الاستخدام الآمن للتكنولوجيا وتمنع اساءة استخدامها في الحروب السيبرانية او التضليل الاعلامي.
واضاف المراقبون ان هناك تمايزا واضحا بين الرؤية الاميركية التي تخشى ان يعيق التنظيم المفرط الابتكار، وبين الرؤية الصينية التي ترى في دور الحكومة ضامنا لاستقرار وتطور المجتمع. وبينت التطورات الاخيرة ان الصراع لم يعد مقتصرا على من يمتلك النموذج الاقوى، بل اصبح يتمحور حول من يمتلك السلطة لسن القوانين التي ستحكم البشرية في عصر الذكاء الاصطناعي.
وختاما، تبقى المنافسة في مراحلها الاولى مع اعتماد النتائج النهائية على مدى استجابة الدول للمبادرات الصينية والسياسات الاميركية. واكد الخبراء ان العالم يقف امام مفترق طرق تقني، حيث ستحدد السنوات المقبلة ملامح النظام الدولي الجديد الذي سيقود التحول الصناعي والاقتصادي القادم.
