كشفت دراسة حديثة عن تحولات جذرية في هيكل الاقتصاد اليمني بالمناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي، حيث عملت الجماعة على إعادة هندسة القطاع الخاص ليتحول من كيان قائم على المنافسة إلى رافد رئيسي لتمويل عملياتها العسكرية. واعتمدت الدراسة في تحليلها على بيانات دقيقة شملت اكثر من 68 الف سجل تجاري، لتظهر كيف تم استبدال قواعد السوق التقليدية بمنظومة اقتصادية موازية تخدم اجندة الحرب. وبينت النتائج ان الجماعة نجحت في اختراق قطاعات حيوية مثل الاستيراد والطاقة والصرافة لضمان تدفقات مالية مستمرة.
واظهرت البيانات ان الجماعة فرضت قيودا هيكلية على التجارة، حيث تحولت التراخيص والسجلات من وثائق قانونية الى ادوات للسيطرة والابتزاز المالي. واضاف الباحثون ان هذه السياسات ادت الى صعود شبكات تجارية جديدة تدين بالولاء للجماعة، على حساب بيوت التجارة التقليدية التي فقدت نفوذها في السوق. واكدت الدراسة ان هذه الشبكات اصبحت هي المحرك الاساسي للاقتصاد الموازي الذي يغذي خزينة الجماعة بعيدا عن موارد الدولة الرسمية.
واوضحت الدراسة ان الاقتصاد اليمني كان يعاني اصلا من هشاشة قبل عام 2014، لكن الحرب عمقت هذه الازمة بشكل غير مسبوق. واشارت الى ان انقسام البنك المركزي وتعدد السلطات المالية خلق فراغا استغلته الجماعة لفرض جباياتها الخاصة. وشددت على ان هذه الجبايات لم تعد مجرد ضرائب، بل اصبحت اتاوات تفرض تحت مسميات متعددة على طول سلسلة الامداد، مما ضاعف اسعار السلع على المواطنين.
من اقتصاد الدولة الى اقتصاد الحرب
وبينت الدراسة ان مراكز الثقل الاقتصادي انتقلت من مؤسسات الدولة الى دوائر النفوذ التابعة للحوثيين. واكدت ان استمرار اي نشاط تجاري اصبح مرهونا بمدى الامتثال للمنظومة المالية التي فرضتها الجماعة. واضافت ان الشركات التي حصلت على امتيازات خاصة استحوذت على حصص كبيرة في قطاعات الوقود والشحن، مما عزز الاحتكار وحرم السوق من التنافسية العادلة.
وكشفت الارقام ان قطاع التجارة العامة والاستيراد تصدر قائمة السجلات التجارية الجديدة، مما يعكس توجها استراتيجيا للتركيز على الانشطة ذات العائد المالي السريع. واوضح التقرير ان هذه القطاعات اصبحت بوابات رئيسية لغسل الاموال وتمويل الانفاق الحربي. واضافت ان التوسع في هذه المجالات يخدم اهداف الجماعة في تعزيز نفوذها السياسي والعسكري على الارض.
واكدت الدراسة ان هذه التحولات فرضت واقعا اقتصاديا جديدا في صنعاء والمحافظات الاخرى، حيث اصبحت الجبايات جزءا من دورة رأس المال. واضافت ان رسوم نقاط التفتيش والضرائب غير القانونية ادت الى ارتفاع تكاليف النقل، مما انعكس سلبا على القدرة الشرائية للسكان. وبينت ان هذا المسار يكرس حالة من الركود الاقتصادي الذي لا يخدم سوى مستفيدي الحرب.
نتائج الاقتصاد الموازي على المجتمع
واظهرت الدراسة ان السياسات الاقتصادية المتبعة ادت الى خلق طبقة تجارية طفيلية ترتبط مصالحها ببقاء الحرب. واضافت ان هذه الطبقة تعمل كواجهة للجماعة في ادارة الشركات والمؤسسات المالية الكبرى. واكدت ان هذا الارتباط يضمن للجماعة ولاء النخبة الاقتصادية ويمنع ظهور اي منافسين قد يهددون سيطرتها.
وكشفت التحليلات الجغرافية ان معظم النشاط الاقتصادي الجديد يتركز في العاصمة صنعاء والمناطق المحيطة بها. واوضحت ان هذا التركيز يهدف الى احكام السيطرة على القرار الاقتصادي وتدفق الموارد. واضافت ان المحافظات الاخرى تعاني من استنزاف مستمر لمواردها لصالح المركز الذي تديره الجماعة لتمويل جبهاتها.
واختتمت الدراسة بالتأكيد على ان الاقتصاد في مناطق الحوثيين تحول الى اداة لتثبيت السيطرة. واضافت ان هذه المنظومة تمنع اي فرص حقيقية للتنمية، حيث يتم توجيه الفوائض المالية نحو المجهود الحربي بدلا من الاستثمار في الخدمات العامة. واكدت ان هذا النهج يضمن استمرارية الصراع ويجعل من الاقتصاد رهينة لاهداف الجماعة السياسية.
