كشفت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني عن توقعات اقتصادية غير مطمئنة لفرنسا، مؤكدة أن البلاد لن تشهد تحسنا ملموسا في وضع ديونها السيادية قبل موعد الانتخابات الرئاسية القادمة. وأوضحت الوكالة أن العجز المالي المرتفع وتراكم مستويات الدين العام يشكلان ضغوطا حقيقية تؤثر بشكل مباشر على جودة التصنيف الائتماني لباريس.
وذكرت فيتش في تقريرها الحديث أن عجز الموازنة العامة قد يسجل نحو 5.2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الحالي، مع احتمالية تصاعده ليصل إلى 5.5 بالمئة بحلول موعد الانتخابات. وبينت أن هذه الأرقام تأتي نتيجة حتمية لتباطؤ وتيرة النمو الاقتصادي وارتفاع تكاليف الاقتراض، إضافة إلى الالتزامات المالية المتزايدة الخاصة بنفقات الدفاع.
وأضافت الوكالة أن ديون باريس مرشحة للارتفاع لتلامس حاجز 122.7 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في السنوات القادمة، وهو مستوى يتجاوز التقديرات السابقة للوكالة. وأكدت أن هذا المسار التصاعدي للديون يضع الحكومة الفرنسية أمام تحديات هيكلية صعبة تتطلب تدابير استثنائية لتجنب تدهور الأوضاع المالية.
مخاطر استمرار السياسات المالية الحالية
وحذرت فيتش من أن بقاء السياسات المالية على حالها دون إجراء إصلاحات جذرية قد يدفع العجز في الموازنة نحو مستويات قياسية تصل إلى 7 بالمئة بحلول نهاية العقد الحالي. وأوضحت أن هذا السيناريو سيفرض على السلطات القيام بعمليات تصحيح مالية قاسية ومكلفة لضمان استقرار الدين العام في المستقبل.
وشددت الوكالة على أن حالة التشرذم السياسي التي تعيشها فرنسا تمثل نقطة ضعف جوهرية، حيث تضعف قدرة صناع القرار على تنفيذ إصلاحات مالية مستدامة. وبينت أن هذا المناخ السياسي يقلل بشكل كبير من إمكانية التنبؤ بمسار السياسات الاقتصادية، مما يربك الأسواق ويؤثر على ثقة المستثمرين.
ورغم هذه التحديات، أشارت فيتش إلى أن الاقتصاد الفرنسي لا يزال يحتفظ ببعض نقاط القوة، كونه اقتصادا ضخما ومتنوعا يتمتع بقاعدة مصرفية متينة. وأكدت أن مرونة اليورو كعملة احتياط دولية تمنح فرنسا هامشا من المناورة لمواجهة الضغوط الاقتصادية المتلاحقة في الوقت الراهن.
ضغوط سياسية وموازنة تحت المجهر
وكشف رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو عن مخاوفه من الانزلاق نحو عدم الاستقرار المالي، مشددا على ضرورة إقرار موازنة متوازنة قبل الانتخابات. وأوضح أن الحكومة تسير على حبل مشدود وسط برلمان منقسم يرفض الخطط المالية التقليدية، مما يعقد فرص التوصل إلى توافقات سياسية.
وأضافت التقارير الاقتصادية أن تحقيق مستهدفات العجز المالي يتطلب خفض النفقات بنحو 85 مليار يورو، وهو رقم ضخم يثير انقسامات حادة داخل الأوساط السياسية. وبينت أن فشل الحكومة في تمرير هذه الموازنة قد يؤدي إلى تبعات اقتصادية وخيمة، خاصة مع ارتفاع عائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ سنوات طويلة.
وأكد خبراء ماليون أن التباطؤ في النمو الاقتصادي، الذي سجل نموا صفريا في بعض الفترات الأخيرة، يعمق من أزمة الديون. وأوضحوا أن الضغوط الناتجة عن متطلبات الإنفاق الدفاعي والالتزامات الدولية تزيد من تعقيد المشهد المالي، مما يجعل الطريق نحو التعافي الاقتصادي محفوفا بالمخاطر والتحديات السياسية الكبرى.
