بقلم المحامية هنزاد التل،،،،،
أهلًا أيلول… يا شهرًا يأتي على مهل، وكأنّه يعرف أن للجمال وقته، وأن بعض الأشياء لا تليق بها العجلة. تأتي نسائمك فتغسل عن الروح غبار صيفٍ طويل، وتحمل معها رائحة البدايات، ودفء الذكريات، وأملًا جديدًا.
في أيلول شيء مختلف… شيء يجعلنا نلتفت إلى أنفسنا أكثر، ونشعر أن الوقت حان لنضع حدًا لما استنزفنا، وأن نفتح نوافذنا لما يستحق أن يدخل حياتنا. إنه شهر العودة، لكنه أيضًا شهر القرار.
أيلول ليس مجرد ورقة جديدة في التقويم، ولا صورة جميلة نضعها على صفحاتنا. إنه فرصة لمراجعة الذات، لأن نسأل أنفسنا بصدق: ماذا تعلمنا؟ ماذا تغير فينا؟ ومن يستحق أن يبقى في تفاصيلنا؟
ومع أيلول تعود المحاكم إلى نبضها، ويعود السادة القضاة والمحامون إلى أعمالهم بعد العطلة القضائية، وتعود معها الملفات والمرافعات والمواعيد، وآمال أشخاص ينتظرون كلمة قانون تنصفهم، وقرارًا يعيد لكل ذي حق حقه.
ومع هذه العودة، تتجدد فينا الثقة بمؤسسة القضاء ومكانتها الراسخة، وتعود المحاماة إلى ساحاتها برسالتها ومسؤوليتها، فلكل منهما دوره في إرساء العدالة وصون الحقوق.
فالمحامي يحمل في حقيبته أكثر من ملف؛ يحمل ثقة موكله، وحقًا ينتظر الدفاع عنه، ومسؤولية تفرض عليه أن يكون القانون بوصلته. ويبقى احترام القضاء، واحترام الزملاء، والالتزام بأصول المهنة، أساسًا لأي ممارسة قانونية تليق برسالة العدالة.
أما في حياتنا، فقد نتعلم مع الوقت أن الصمت أحيانًا أقوى من الرد. ليس كل كلام يستحق جوابًا، وليس كل استفزاز يستحق أن ننزل إليه، وليس كل خلاف يستحق أن نستهلك من أجله طاقتنا.
هناك معارك لا نربحها بالانتصار فيها، بل نربحها عندما نقرر ألا نخوضها أصلًا. فبعض الجدل ليس نقاشًا، وإنما استنزاف للطاقة والوقت والمشاعر.
وأحيانًا، بدل أن تدخل في جدال لا نهاية له، يكفي أن تبتسم، وتشرب فنجان قهوتك على شرفة جميلة، وتتأمل السماء، وتعدّ النجوم… ستكتشف أن هناك أشياء في الحياة أجمل بكثير من أن تهدر وقتك في الرد عليها.
لا تعتقد أن كل صامت عاجز عن الرد؛ هناك صمت يأتي من قوة، ومن وعي، ومن معرفة بقيمة الوقت والكرامة.
ولا تخافوا من الاختلاف أيضًا؛ فليس كل ما يثير الجدل خطأ، وأحيانًا تكون الكلمة التي تزعج البعض هي ذاتها التي تحتاج إلى أن تُقال. المهم أن نعرف متى نتكلم، ومتى نصمت، ومتى نغادر دون أن نلتفت خلفنا.
وتبقى حكمة الحياة الجميلة: الأشجار المثمرة تُرمى بالحجارة، لكنها لا تتوقف عن الإثمار.
وأيلول أيضًا شهر الفرح لمن يحتفلون بميلادهم فيه… فكل عام ومواليد أيلول بألف خير، وكل عام وأنتم أجمل حكاية بدأت في هذا الشهر الجميل. جعل الله أعوامكم القادمة أكثر فرحًا وطمأنينة ونجاحًا، وأن تبقى أيامكم مليئة بما تحبون.
فأهلًا بك يا أيلول… يا شهر الجمال والعودة والبدايات. تعالَ محمّلًا بنسائمك الجميلة، وخذ معك ما أثقل أرواحنا، واترك لنا مساحة جديدة للأمل والعمل والإنجاز.
ما مضى كان درسًا… وما سيأتي قرار.
