فايز الشاقلدي
في مشهد يختزل جانباً مؤلماً من أزمة التقييم الأكاديمي في بعض الجامعات الخاصة تكشف قواعد البيانات العلمية العالمية عن مفارقة تستحق التوقف والمساءلة أستاذ جامعي يمتد عمره الأكاديمي لنحو أربعة عقود يكرم ب لقب «الباحث المتميز» بينما لا يعكس سجله البحثي وفق المؤشرات العلمية الموثقة ما يبرر هذا الوصف!
إذ لا يتجاوز معامل الاستشهاد في ملفه «h-index» بحث يتيم فيما يبلغ مؤشر «i-index» صفراً في حين يعود آخر نشاط بحثي موثق له إلى سنوات مضت وبالشراكة مع عدة باحثين وهنا لا يتعلق الأمر بحكم شخصي على مسيرة أكاديمية للأسف وصفت بالفشل الإداري الصارخ بقدر ما يتعلق بسؤال مشروع كيف يُمنح لقب يفترض أنه يجسد التميز لمن لا تظهر في سجله العلمي مؤشرات واضحة على أثر بحثي متراكم؟
وتركة لكلية رمادا من بعد ان كانت تصف بأقوى الكليات من نظيراتها في جامعات الوطن .
قواعد البيانات العلمية مثل «سكوبس» ليست منصات للمجاملات ولا تخضع للعلاقات الشخصية إنها أدوات قياس عالمية يمكن لأي مهتم الرجوع إليها والتحقق من البيانات المنشورة فيها وعندما يبقى الأثر البحثي محدوداً للغاية بعد أربعة عقود من المسيرة الأكاديمية فإن ذلك يستدعي مراجعة جادة لمعايير التميز المعتمدة لا الاكتفاء بالأقدمية الوظيفية أو المناصب الإدارية رغم ثبوت فشلها وفي المقابل هناك باحثون في المؤسسات الأكاديمية الأردنية نفسها يعملون بعيداً عن الأضواء وتتراكم أبحاثهم واستشهاداتهم العلمية ويشاركون في إنتاج المعرفة وتطوير تخصصاتهم هم من يستحقوا ذاك التكريم .
لكن القضية تصبح أكثر خطورة عندما لا تتوقف المفارقة عند حدود الملف البحثي بل تمتد إلى الأداء الإداري فالمشكلة الحقيقية ليست أن يكون أستاذ ما ضعيف في الإنتاج البحثي فذلك شأن يمكن أن يختلف فيه التقييم من شخص إلى آخر وإنما أن يُربط هذا الضعف بتكريم رسمي يفترض أن يقوم على معايير موضوعية ثم تترافق المسألة مع مؤشرات إخفاقات إدارية تؤثر في البيئة الأكاديمية برمتها وبنت بيئة طاردة للطلبة لجامعات منافسه .
في عصر أصبحت فيه المنصات الرقمية وقواعد البيانات العلمية جزءاً أساسياً من البنية التحتية للعمل الجامعي لم تعد الكفاءة الرقمية ترفاً بالنسبة إلى القيادات الأكاديمية فالقائد الذي يفتقر إلى القدرة على التعامل مع الأدوات والمنصات التي تقوم عليها منظومة البحث والتقييم الحديثة يواجه صعوبة في قراءة البيانات العلمية وفهمها وبالتالي في اتخاذ قرارات مبنية على مؤشرات دقيقة وهذا يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة التأهيل الأكاديمي والإداري المطلوب لمن يتولى مسؤولية قيادة مؤسسة تعليمية يفترض أنها تنتمي إلى عصر المعرفة والرقمنة.
وتزداد الأزمة عمقاً عندما تتحول بيئة العمل الأكاديمي من مساحة مفتوحة للتنافس على أساس الكفاءة إلى منظومة تقوم على الولاء والعلاقات فحين تصبح الثقة الشخصية معياراً للتقدم بدلاً من الإنجاز العلمي والمهني، تبدأ الكفاءات الحقيقية في الشعور بأنها غير مرغوبة أو غير مقدرة. ومع مرور الوقت، قد يجد المتميز نفسه محاصراً في مؤسسة عميدها الراحل لا يكافئ الإنجاز بقدر ما يكافئ القرب فتتحول الكلية أو الجامعة تدريجياً إلى بيئة يعلو فيها صوت الولاء على صوت المعرفة .
والنتيجة الطبيعية لمثل هذه البيئة هي هجرة الطلبة والكفاءات فالطالب الذي لا يجد البيئة الأكاديمية التي تلبي طموحه يبحث عن مؤسسة أخرى تمنحه تعليماً أفضل وفرصاً أوسع وكل طالب يغادر هو في نهاية المطاف مؤشر ينبغي أن تقرأه الإدارة لا أن تتجاهله والأمر ذاته ينطبق على عضو هيئة التدريس المتميز؛ فالأستاذ الذي يجد أن إنتاجه العلمي لا يحظى بالتقدير، وأن المبادرة تُقيّد، وأن الكفاءة لا تفتح الطريق، لن يجد سبباً مقنعاً للبقاء وعندما يغادر لا يغادر بمفرده بل تأخذ المؤسسة معها خسارة تراكمية في البحث العلمي والعلاقات الأكاديمية والسمعة المهنية.
والأخطر من ذلك هو أن تتحول البيئة الجامعية إلى فضاء يخشى فيه أعضاء هيئة التدريس أو الطلبة التعبير عن آرائهم أو الاعتراض على قرارات يرونها غير عادلة تحتت التهديد والوعيد فالمؤسسة الأكاديمية التي تفتقر إلى قنوات مستقلة وفاعلة للشكاوى والتظلمات تضعف قدرتها على تصحيح أخطائها بنفسها وعندما يشعر الفرد بأن التعبير عن رأيه قد يعرّضه للضغط أو الانتقام يصبح الصمت وسيلة للبقاء وعندها تتحول الجامعة من بيئة يفترض أن تنتج المعرفة والنقد والحوار إلى بيئة تعيد إنتاج الخوف رغم أن هناك من تقدموا بشكاوى إلا أنها تتبخر في أروقة العلاقات المظلمة ونطالب الرئيس الجديد بإعادة النظر فيها .
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر أهمية: من منح لقب «الباحث المتميز»، ومن وقّع قرار التكريم، ومن أجازه، ومن اطلع على الملف ثم اختار الصمت؟
هذه ليست أسئلة هامشية فاللجان الأكاديمية التي تمنح ألقاب التميز يفترض أنها تعرف أدوات التقييم العلمي، وتدرك أهمية النشر المحكم والاستشهادات والمؤشرات البحثية، وتستطيع الوصول إلى قواعد البيانات العلمية والتحقق من الملفات خلال وقت قصير ولذلك فإن المسؤولية لا تقع على الشخص الذي حصل على التكريم وحده بل تمتد إلى كل من شارك في صناعة القرار أو اعتماده أو تمريره دون مراجعة موضوعية.
إن تكريم شخص لا يستوفي معايير التميز إذا ثبتت صحة المعطيات لا يضر بصورة المؤسسة وحدها، بل يوجه رسالة مجحفة إلى الباحثين الحقيقيين الذين أمضوا سنوات في قاعات البحث والمجلات العلمية وبنوا سمعتهم الأكاديمية ورقة بعد أخرى واستشهاداً بعد آخر فاللقب الأكاديمي ليس شهادة مجاملة، بل شهادة ثقة تمنحها المؤسسة لمن أثبت أن لديه أثراً علمياً يستحق الاحتفاء.
ومن هنا فإن إعادة النظر في قرار التكريم، إذا ثبت أن المعايير العلمية لم تُطبق بصورة صحيحة، ليست انتقاصاً من أحد، بل دفاع عن نزاهة المؤسسة. كما أن سحب أي لقب ثبت منحه على أساس غير موضوعي لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه عقوبة، وإنما بوصفه تصحيحاً لمسار يفترض أن يقوم على الشفافية والمساءلة ونطالب رئاسة الجامعة والجهات المختصة فتح تحقيق في ذلك .
المطلوب اليوم ليس التشهير بالأشخاص، وإنما مراجعة آليات منح ألقاب التميز الأكاديمي، وإخضاعها لمعايير واضحة وقابلة للتحقق، بعيداً عن الأقدمية والعلاقات والمجاملات. والمطلوب كذلك مراجعة الأداء الإداري عندما تتراكم المؤشرات على تراجع البيئة الأكاديمية وتراكم الشكاوى على العميد الراحل وفتح الملفات والقرارات التي تستحق التدقيق، لأن المؤسسة التي لا تراجع أخطاءها لا تستطيع أن تبني مستقبلاً مختلفاً.
وفي النهاية، لا يمكن بناء جامعة تنافس في عصر المعرفة بعقلية المكافآت الشخصية المستقبل لا يُبنى بالألقاب التي تُمنح داخل الغرف المغلقة، وإنما بالكفاءة التي تستطيع الوقوف تحت ضوء الأرقام والحقائق والإنجازات. وعندما يصبح المعيار هو العلم وحده، يعرف كل صاحب إنجاز مكانه الحقيقي، ويعرف كل من حصل على لقب لا يستحقه أن السؤال لم يعد: من كرّمه؟ بل: على أي أساس كُرّم؟
