بقلم: م. نبيل إبراهيم حداد
مستشار في الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع


قبل مدة، تحدث الدكتور جواد العناني عن الظروف التاريخية التي رافقت رسم حدود الأردن، وأشار، ضمن حديثه، إلى أن النظرة إلى الأردن في مرحلة من المراحل كانت باعتباره دولة فصل أكثر مما هو دولة وصل، تفصل سوريا عن الخليج والعراق عن فلسطين، قبل أن يتجاوز الأردن هذه النظرة ويثبت نفسه لاحقًا كدولة وصل.
استوقفتني هذه الفكرة في حينها، لكنني لم أرغب في الكتابة عنها مباشرة بعد صدور التصريح، لأنني لا أريد لهذا المقال أن يُقرأ بوصفه ردًا على الدكتور العناني أو سجالًا معه. فأنا لا أتناول الأشخاص ولا أكتب من منطلق رد الفعل، وإنما أتناول الفكرة عندما أرى أنها تستحق نقاشًا هادئًا ومستقلًا عن المناسبة التي قيلت فيها.
والفكرة التي أود مناقشتها هنا تتجاوز الدكتور العناني نفسه، وتتعلق بكيفية توصيف الأردن تاريخيًا وجغرافيًا وسياسيًا: هل من الصحيح أن نصف الأردن أصلًا بأنه دولة أُنشئت للفصل؟
من وجهة نظري، المشكلة ليست في نقد من رسم الحدود، ولا في الاعتراض على إرث سايكس بيكو وما تلاه من ترتيبات دولية، وإنما في أن تتحول نوايا القوى التي شاركت في رسم تلك الحدود إلى تعريف لهوية الأردن نفسه.
هناك فرق كبير بين أن نقول إن بعض القوى الاستعمارية فكرت بمنطق الفصل والسيطرة وتقاسم مناطق النفوذ، وبين أن نقول إن الأردن نفسه كان دولة فصل.
الأولى قراءة لمصالح القوى الدولية في ذلك الوقت، أما الثانية فهي توصيف للدولة وهويتها ودورها، وهذا هو موضع تحفظي.
قد تكون بعض الحدود قد رُسمت لتحقيق اعتبارات استراتيجية بريطانية وفرنسية، وقد تكون القوى الكبرى قد تعاملت مع المشرق العربي من منظور النفوذ والممرات والمصالح. لكن الأردن، بوصفه مجتمعًا ودولة ودورًا، لا يمكن اختزاله في وظيفة جغرافية فرضها الآخرون عليه.
فالأردن لم يكن مجرد خط على الخريطة يفصل سوريا عن الجزيرة العربية، أو العراق عن فلسطين.
بل إن جغرافيته نفسها جعلته تاريخيًا جزءًا من منظومة الاتصال بين بلاد الشام والعراق والجزيرة العربية وفلسطين.
كان ممرًا للقوافل والتجارة والحج، ومساحة لتداخل المجتمعات والقبائل، ومحطة في طرق الحركة بين شمال المشرق وجنوبه وشرقه وغربه. ولذلك فإن مفهوم الوصل أقرب إلى طبيعة الأردن الجغرافية والتاريخية من مفهوم الفصل.
وهنا تظهر نقطة أعتبرها أساسية:
علينا ألا نعرّف الأردن وفق نوايا من رسموا حدوده، بل وفق ما صنعه الأردنيون من هذه الجغرافيا.
فحتى لو افترضنا أن قوة استعمارية ما أرادت من بعض الحدود أن تؤدي وظيفة فصل أو ضبط أو احتواء، فإن هذه النية لا تتحول تلقائيًا إلى هوية للدولة التي نشأت داخل تلك الحدود.
الدولة ليست مجرد نتيجة لخطوط رسمها الآخرون، وإنما هي أيضًا نتاج شعبها ومؤسساتها وتجربتها السياسية ودورها الإقليمي.
والتجربة الأردنية أثبتت، خلال أكثر من قرن، أن المملكة لم تؤد دور الحاجز بقدر ما أدت دور الجسر.
الأردن ارتبط بالعراق سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وارتبط بسوريا، وكان جزءًا أساسيًا من القضية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه تطورت علاقاته مع السعودية ودول الخليج لتصبح من أهم الروابط الاقتصادية والبشرية في المنطقة.
ولعل إحدى أهم ميزات الأردن هي قدرته على التعامل مع اتجاهات متعددة في آن واحد، دون أن يتحول إلى امتداد كامل لأي منها.
وهذه ليست وظيفة دولة فصل، بل وظيفة دولة توازن ووصل.
حتى في أكثر مراحل المنطقة توترًا، عندما كان الخلاف بين بغداد ودمشق شديدًا، وحين تصارعت التيارات القومية والأيديولوجية، وحين تعرض الأردن لمحاولات ضغط وانقلاب وتغيير، بقيت الدولة الأردنية محافظة على هويتها، وفي الوقت نفسه لم تغلق نفسها عن محيطها.
لقد تعلم الأردن من جغرافيته أن أمنه لا يتحقق بالعزلة، بل ببناء شبكة من العلاقات المتوازنة.
ومن هنا، أرى أن العبارة الأدق ليست أن:
الأردن كان دولة فصل ثم تحول إلى دولة وصل.
بل ربما الأقرب إلى الحقيقة أن:
من رسم بعض حدود المنطقة ربما فكر بمنطق الفصل، لكن الأردن أثبت منذ نشأته السياسية أنه قادر على تحويل الجغرافيا إلى أداة وصل لا فصل.
وهذا الفرق ليس لغويًا فقط، بل يتعلق بكيفية فهمنا للدولة الأردنية نفسها.
إن تعريف الأردن بوصفه دولة فصل يمنحه، دون قصد، هوية سلبية مشتقة من رؤية خارجية، وكأنه مجرد منطقة عازلة بين دول أكبر منه.
أما النظر إليه باعتباره دولة وصل فيضعه في مكانه الطبيعي: دولة في قلب المشرق العربي، ترتبط جغرافيًا وسياسيًا واقتصاديًا بأكثر من فضاء، وتستمد جزءًا من أهميتها من قدرتها على التعامل مع الجميع.
كما أن هذا الفهم أكثر انسجامًا مع التاريخ الحديث للأردن.
فالمملكة كانت ولا تزال جزءًا رئيسيًا من حركة التجارة البرية بين الخليج وبلاد الشام، ومن العلاقة الاقتصادية بين العراق وموانئ البحر الأحمر، ومن حركة العمالة والخبرات الأردنية نحو الخليج، ومن التواصل مع فلسطين، ومن منظومة النقل والطاقة والمشاريع الإقليمية التي يمكن أن تجعل الأردن مركزًا لوجستيًا واقتصاديًا حقيقيًا.
ولذلك فإن مفهوم "دولة الوصل" لا ينبغي أن يبقى توصيفًا سياسيًا جميلًا، بل يجب أن يتحول إلى استراتيجية وطنية.
فموقع الأردن يمكن أن يكون عنصر قوة اقتصادية إذا أحسن استثماره في النقل والطاقة والسكك الحديدية والخدمات اللوجستية والربط الكهربائي والاتصالات والتجارة الإقليمية.
وبذلك يصبح دور الوصل ليس فقط حقيقة تاريخية، وإنما أيضًا مشروعًا للمستقبل.
إن نقد ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى حق مشروع، وكذلك مناقشة مدى عدالة الحدود التي نتجت عنها. ولكن ينبغي أن نكون حذرين من أن ننظر إلى أنفسنا من خلال عدسة من رسم تلك الحدود.
فمن رسم الخريطة ربما كانت له حساباته، لكن هوية الدولة لا يحددها رسام الخريطة.
الأردن تحدده تجربته، وشعبه، ومؤسساته، ودوره.
ولهذا أرى أن الأردن لم يكن، ولا ينبغي أن يُقدَّم، كدولة فصل.
إنه دولة استطاعت أن تحافظ على استقلال قرارها وهويتها، وفي الوقت نفسه أن تبقى مرتبطة بجميع محيطها.
الأردن ليس دولة فصل تحولت إلى دولة وصل؛ بل دولة أثبتت أن الجغرافيا التي قد يراها البعض حدودًا للفصل يمكن تحويلها، بالإرادة والسياسة والاستقرار، إلى جسور للوصل.