بقلم محمد النجار
كان نهر درينا يجري هادئًا بين جبال البوسنة، يحمل زرقة السماء ولا يعرف أن مياهه ستصبح يومًا شاهدة على واحدة من أكثر مآسي القرن العشرين قسوة. على ضفافه عاش البوسنيون سنوات طويلة، اختلفوا في الدين والهوية، لكنهم تشاركوا الأرض والخبز والبيوت والذكريات، حتى جاءت الحرب فقلبت كل شيء.
من هنا تبدأ رواية «الوحوش» لأَيمن العتوم؛ رواية لا تحكي حرب البوسنة فحسب، بل تضعنا أمام سؤال أكثر رعبًا: كيف يتحول الإنسان إلى وحش؟
حارث، بطل الرواية، يستعيد الحرب من ذاكرة طفل. لكن الحرب لا تترك الأطفال أطفالًا؛ فمن يرى الموت ويسمع صراخ الضحايا ويعيش الخوف يومًا بعد يوم، يكبر قبل أوانه ويحمل في ذاكرته ما تعجز أعمار كاملة عن احتماله.
ومن أقسى مشاهد الرواية مشهد أمه، حين تتعرض للاغتصاب ثم تُقتل أمام عينيه، فيتحول الطفل في لحظة واحدة من شاهد على الحياة إلى شاهد على أبشع ما يمكن أن يفعله الإنسان بالإنسان. ثم تأتي مأساة أخته الطفلة التي تتعرض للاغتصاب وتحمل وهي في العاشرة من عمرها. هنا لا تنتهي الجريمة عند لحظة الاعتداء؛ فالطفل الذي سيولد سيحمل بدوره أثر جريمة لم يرتكبها.
الحرب هنا لا تستهدف الجسد وحده، بل تحاول تحطيم الروح والكرامة والذاكرة. فالقتل والتعذيب والاغتصاب والتهجير وتدمير البيوت لم تكن مجرد نتائج للحرب، بل أدوات لتحويل الإنسان إلى شيء بلا قيمة.
وهنا يظهر السؤال الأصعب: من أين يأتي كل هذا الشر؟
في كتاب «حيونة الإنسان»، يتحدث ممدوح عدوان عن الطريقة التي يستطيع بها القمع والإذلال أن ينتزعا من الإنسان إنسانيته، بينما تحدث فرويد عن نزعة التدمير والموت في مقابل غريزة الحياة والحب؛ نزعة تستطيع الحضارة أن تكبحها، لكنها لا تمحوها تمامًا.
ولعل الوحشية لا تبدأ عندما يطلق الإنسان الرصاص، بل عندما يقنع نفسه بأن من أمامه ليس إنسانًا مثله. عندها يصبح قتله وتعذيبه واغتصابه أسهل، وقد يتحول الجار إلى عدو، والإنسان إلى مجرد «هدف».
وهذا ما يجعل مأساة سراييفو أكثر قسوة. فقد عاش المدنيون سنوات تحت القصف والقنص، حتى أصبح الذهاب إلى العمل أو شراء الخبز مغامرة مع الموت. وقد وثقت المحاكم الدولية استهداف المدنيين خلال حصار المدينة.
وفي سياق أكثر ظلمة، ظهرت قضية عُرفت إعلاميًا باسم «سفاري سراييفو»، وهي ادعاءات عن أجانب دفعوا أموالًا مقابل إطلاق النار على المدنيين المحاصرين، وكأن قتل الإنسان تحول إلى نوع من «سياحة القنص». وقد أعيد فتح تحقيقات في القضية خلال السنوات الأخيرة، لكن تفاصيل هذه الادعاءات ما تزال موضع تحقيق وإثبات.
ولذلك يبدو عنوان الرواية بالغ الدلالة: الوحوش.
لكن البوسنة لم تكن قصة وحوش وضحايا فقط؛ كانت أيضًا قصة شعب رفض أن يختفي.
في سراييفو، كانت الحياة نفسها فعل مقاومة. كان الناس يذهبون إلى أعمالهم، ويعلّمون أبناءهم، ويدفنون موتاهم، ثم يعودون إلى بيوتهم تحت القصف. كانت المدينة تقول إن الحرب تستطيع هدم الجدران، لكنها لا تستطيع إجبار الإنسان على التخلي عن حقه في الحياة.
وفي قلب هذه المأساة برز علي عزت بيغوفيتش رمزًا لصمود الدولة والشعب، فيما أصبحت سراييفو رمزًا لمدينة تقاوم الموت.
ثم جاءت سربرنيتسا بمأساتها التي ستظل جرحًا في الضمير الإنساني، وبقيت أسماء الضحايا أكبر من أن تختصرها الأرقام.
وهنا يعود السؤال:
لماذا؟
ألم يكن الوطن يتسع للجميع؟
ومن الذي يربح حين يحترق البيت، وتُقتل الأم أمام طفلها، وتُغتصب الطفلة، ويصبح الجار عدوًا؟
لا أحد.
فالحرب لا تترك منتصرين بقدر ما تترك أجيالًا من الناجين يحملون موتاهم في الذاكرة.
وربما هنا تلتقي «الوحوش» مع فكرة عبد الوهاب المسيري عن اختزال الإنسان وتحويله إلى مجرد شيء داخل منظومات القوة. فعندما يفقد الإنسان قيمته في نظر الآخر، يصبح من السهل أن يتحول إلى رقم أو هدف أو عدو.
لكن الرواية لا تنتهي عند الوحش.
فهناك أيضًا الإنسان الذي، وسط الجحيم، يحاول ألا يصبح صورة من جلاده. هناك الطفل الذي نجا، والمدينة التي بقيت، والوطن الذي أعاد بناء نفسه، والذاكرة التي رفضت أن تموت.
وهكذا لا تعود «الوحوش» رواية عن البوسنة وحدها؛ إنها رواية عن الإنسان حين يفقد إنسانيته، وعن الضحية حين تحاول النجاة من الموت دون أن تفقد روحها.
وحين نغلق الكتاب، يبقى نهر درينا يجري هادئًا بين الجبال.
قد تعود المدن إلى البناء، وقد تنمو الأشجار من جديد على ضفافه، لكن بعض الأشياء لا تستطيع المياه أن تجرفها.
فالأنهار قد تنسى ما حملته، أما الإنسان فلا ينسى ما رآه.
وهنا تكمن قيمة أيمن العتوم؛ أنه لم يكتب الحرب بوصفها تاريخًا، بل جعلها ذاكرة حية، ووضعنا أمام المرآة الأصعب: مرآة الإنسان حين يصبح وحشًا، ومرآة الإنسان حين يقرر، رغم كل شيء، ألا ينكسر.
