يعيش الكثير من الشباب المصري حالة من القلق المستمر تجاه المستقبل حيث يظل حلم الحصول على مسكن ملائم بعيد المنال في ظل ظروف اقتصادية ضاغطة. وتتفاقم المعاناة مع ارتفاع قيم الإيجارات الشهرية بشكل لا يتناسب نهائيا مع مستويات الأجور المحدودة مما يضطر الكثيرين لتأجيل خطط الاستقرار العائلي أو العيش في ظروف صعبة. واوضح عدد من الموظفين ان الرواتب الشهرية تكاد لا تكفي لتغطية الحد الأدنى من تكاليف المعيشة ناهيك عن دفع إيجارات مرتفعة في مناطق متوسطة مما يجعل البحث عن سكن ميسور التكلفة ضربا من الخيال.

واكد خبراء في القطاع العقاري أن الأزمة في مصر لا تتعلق بنقص الوحدات السكنية بل على العكس هناك وفرة واضحة في المعروض مقارنة بحجم الطلب الفعلي. وبين هؤلاء الخبراء أن المشكلة الجوهرية تكمن في تركز هذه الوفرة في وحدات فاخرة وموجهة للطبقات العليا بينما تفتقر الطبقة الوسطى وما دونها إلى خيارات تتناسب مع قدراتهم المالية المحدودة. واشاروا إلى أن توجه أبناء الطبقات المتوسطة نحو الإيجار بسبب غلاء أسعار التمليك أدى إلى زيادة الطلب ورفع الأسعار لمستويات تفوق الدخل الشهري.

واظهرت بيانات رسمية تدشين مئات الآلاف من الوحدات السكنية خلال الفترة الماضية سواء من قبل الدولة أو القطاع الخاص باستثمارات ضخمة. وشدد مراقبون على أن ارتفاع أسعار الإيجارات لا يزال مستمرا في العديد من المناطق الحيوية حتى مع تراجع وتيرة الطلب الخارجي في بعض الأحيان. وكشفت التحليلات العمرانية أن أزمة السكن هي أزمة قدرة شرائية بالأساس وليست أزمة توفر وحدات حيث أصبحت العقارات وسيلة لحفظ القيمة بدلا من كونها ملاذا للسكن.

تحديات التملك ومبادرات الحكومة

وكشف الباحثون في مجال العمران أن معظم المصريين الذين يمتلكون مساكنهم اعتمدوا على البناء الذاتي عبر سنوات طويلة بدلا من الشراء المباشر من السوق. واضافوا أن سياسات تدويل السوق العقاري لجلب العملة الصعبة ساهمت بشكل غير مباشر في إضعاف القدرة الشرائية للمواطن المحلي وخلق فجوة كبيرة بين مستويات الدخل وأسعار الوحدات. وبينت قصص المواطنين أن الإيجارات أصبحت تلتهم النسبة الأكبر من الدخل الشهري مما يضطرهم للاقتراض لتغطية نفقات المعيشة الأساسية.

واكد اقتصاديون أن الحد الأدنى للدخل الذي يضمن حياة كريمة للمواطن في ظل الأسعار الحالية يجب أن يتجاوز حاجز العشرين ألف جنيه لتغطية تكاليف السكن والمعيشة معا. واشاروا إلى أن مشاريع الإسكان الاجتماعي رغم أهميتها لم تنجح في حل الأزمة بالكامل نظرا لارتفاع مقدمات الحجز التي لا يستطيع الشباب تحملها. واوضحت تقارير حديثة أن توجه الدولة لطرح وحدات بنظام الإيجار قد يكون خطوة تصحيحية مهمة إذا تم تنفيذها على نطاق واسع.

واضاف خبراء الاستثمار العقاري أن الحلول المطروحة حاليا تظل محدودة الأثر ولا تعالج جذور المشكلة العميقة التي تعاني منها السوق. وشددوا على ضرورة منح تسهيلات حقيقية للمطورين العقاريين لإنشاء وحدات موجهة للإيجار بأسعار اجتماعية تتناسب مع شرائح الدخل المحدود. واكد الباحثون في ختام رؤيتهم أن تفعيل قوانين الضرائب العقارية عبر تحفيز الملاك على التأجير بأسعار مخفضة مقابل إعفاءات ضريبية قد يمثل مخرجا عمليا لإنهاء معاناة السكن التي تؤرق شريحة واسعة من المجتمع.