تتجه الانظار في ليبيا نحو تصاعد حدة التوتر بين رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، حيث تحولت الشراكة التي فرضتها تفاهمات جنيف السابقة إلى ما يشبه الصدام السياسي المكتوم. وبينما كانت التحالفات تقوم على توازن المصالح، يبدو أن قواعد اللعبة قد تغيرت بشكل جذري مع دخول مبادرات دولية جديدة على خط الازمة، مما يضع المنفي في وضع لا يحسد عليه.

واكد مراقبون ان المشهد الحالي يعكس حالة من عدم الاستقرار في السلطة التنفيذية، حيث يرى البعض ان التحركات الاميركية الاخيرة وتفاهمات لجنة 4+4 قد اعادت رسم موازين النفوذ في البلاد. واشار محللون الى ان هذه الترتيبات قد تفضي الى تشكيل سلطة تنفيذية جديدة تهدف الى تجاوز الشخصيات الحالية، مع التركيز على دمج القوى الفاعلة في شرق وغرب البلاد، مما يترك المنفي خارج المعادلات السياسية القادمة.

وبين التكبالي عضو مجلس النواب ان العلاقة بين الطرفين لم تكن يوما تحالفا سياسيا عميقا، بل كانت قائمة على ضرورات المرحلة. واضاف ان التوجه الاممي والدولي الحالي يميل نحو التقارب مع قيادة الجيش الوطني وتشكيل حكومة موحدة، وهو ما يجعل بقاء المنفي في منصبه امرا غير محتمل في ظل التوازنات الجديدة التي تفرضها القوى الدولية.

تصدع الشراكة وتغير موازين القوى

وكشف الباحث انس القماطي ان جذور الخلاف تعود الى تفاوت الصلاحيات والقدرة على التحكم في الارض، حيث ظل منصب المنفي شرفيا الى حد كبير بينما احتفظ الدبيبة بنفوذ مالي وعسكري واسع. واوضح ان المبادرة الاميركية الاخيرة جعلت من المنفي الطرف الاكثر عرضة للاستبعاد، خاصة مع تداول انباء عن ترتيبات تمنح رئاسة المجلس الرئاسي لشخصيات اخرى.

واظهرت التحليلات السياسية ان محاولات المنفي للعب دور الحياد بين القوى المتصارعة لم تحقق له اي رصيد شعبي او سياسي يذكر. واكد الباحث جلال حرشاوي ان الدبيبة استطاع منذ البداية تعزيز موقفه بفضل ثقله في مدينة مصراتة والسيطرة على الموارد المالية للبلاد، مما خلق فجوة كبيرة في موازين القوى جعلت كفة رئيس الحكومة هي الارجح في الصراع الدائر.

وبين اشرف عبد الله مدير المركز الليبي للدراسات الامنية ان الخلافات بدات تتفاقم منذ حوادث امنية شهدتها طرابلس، حيث تباينت المواقف تجاه الاجهزة الامنية والتشكيلات المسلحة. واضاف ان استمرار حكومة الوحدة في دفع الرواتب والتحكم في مفاصل الدولة جعل من نفوذ المنفي امرا صوريا، رغم محاولاته المستمرة للبحث عن حلفاء جدد داخل الاجهزة الامنية.

مستقبل غامض في ظل الاتفاقات الدولية

وذكرت التقارير ان وضع المنفي بعد اتفاق 4+4 اصبح اشبه بمن يغرد خارج السرب، مع تضاؤل قدرته على المناورة. واكد الخبراء ان الدبيبة لا يزال يمسك بزمام الامور المالية، وهو ما يمنحه افضلية كبرى في اي مفاوضات قادمة، بينما يعاني المنفي من غياب اوراق الضغط الفعلية التي تمكنه من التأثير في مسار المرحلة الانتقالية.

واشار مراقبون الى ان الرهان الاخير للمنفي قد يكون على القوى الرافضة للاتفاقات الدولية في الغرب الليبي، لكن هذا الرهان يظل محفوفا بالمخاطر. وشدد المحللون على ان الضغوط الدولية القوية قد تجبر الجميع على القبول بالواقع الجديد، مما يجعل خروج المنفي من المشهد السياسي مسألة وقت لا اكثر في ظل المتغيرات المتسارعة.

واختتمت التحليلات بان ليبيا امام مفترق طرق، حيث لم تعد التحالفات السابقة قادرة على الصمود امام الترتيبات الدولية الجديدة. وبينت المعطيات ان المرحلة المقبلة ستشهد تقليصا لنفوذ الشخصيات التي لم تعد قادرة على تقديم حلول عملية، مما يمهد الطريق امام مشهد سياسي جديد يعيد ترتيب البيت الداخلي الليبي.