تبدا سهام الستينيه يومها في سوق ام درمان باحثة عن اي عمل يضمن لها قوت يومها بعيدا عن شبح الجوع. تقضي السيدة ساعات طويلة في تنظيف بذور الفول مقابل مبالغ زهيدة لا تكاد تكفي لشراء دقيق لصناعة الخبز المنزلي. وحين تضيق بها السبل وتخلو جيوبها من اي عمل تضطر للوقوف امام محلات الجزارة بانتظار الحصول على بقايا العظام والشحوم التي كانت في السابق تلقى للكلاب الضالة لسد رمق اسرتها.

واكدت سهام ان هذا الشعور القاسي والمؤلم هو خيارها الوحيد للبقاء على قيد الحياة بعيدا عن طريق السرقة. واظهرت جولة ميدانية في الاسواق ان حال سهام ليس استثناء بل بات مشهدا متكررا لالاف المواطنين الذين انهكتهم ظروف الحرب الطويلة. واوضحت المعطيات الميدانية ان البحث عن الضروريات الاساسية مثل الماء والخبز صار يستنزف طاقة السودانيين يوميا وسط تضخم متسارع يلتهم ما تبقى من مدخراتهم.

واضاف تجار محليون ان هناك تحولا جذريا في سلوك المستهلك السوداني حيث صار شراء السلع يتم بكميات متناهية الصغر لا تذكر في الاوقات العادية. وشدد المراقبون على ان هذه الازمة ليست مجرد نقص في السلع بل هي انهيار حاد في القوة الشرائية امام ارتفاع اسعار اللحوم والخضروات التي اصبحت بعيدة عن متناول الطبقات الكادحة التي تعتمد اليوم على بدائل زهيدة للبقاء.

رحلة البحث عن الماء والخبز

وبينت التقارير ان معاناة السودانيين لا تتوقف عند الغذاء بل تمتد لتشمل الحصول على مياه الشرب التي تستنزف ساعات طويلة من يوم العائلات خاصة في الولايات. واوضحت فاطمة ذات الخمسة عشر ربيعا انها تقضي نهارها كاملا امام خزانات المياه في انتظار دورها لتوفير احتياجات اسرتها اليومية. واكدت المنظمات الانسانية ان هذا الوضع يضع الاسر في حيرة يومية بين استخدام الماء للشرب او للطبخ او للنظافة الشخصية.

واشار خبراء في قطاع المخابز الى ان وفرة الخبز في العاصمة لا تعني انتهاء الازمة بل هي مشكلة اقتصادية معقدة ترتبط بسعر صرف العملة المحلية. واوضحوا ان اي تقلب جديد في قيمة الجنيه السوداني سيؤدي بالضرورة الى ضغوط اضافية على سعر الرغيف. واكد العاملون في المخابز انهم يواجهون تحديات كبيرة في الحفاظ على استقرار الاسعار في ظل ارتفاع مدخلات الانتاج وتراجع الدخل اليومي للمواطن.

وكشفت الجولات في الاسواق عن ركود حاد في حركة البيع والشراء حيث يشتكي التجار من غياب الزبائن رغم وفرة البضائع. واضاف احد الباعة انه لم يشهد طوال سنوات عمله الطويلة هذا الضعف الكبير في اقبال المواطنين على الشراء. واكد ان الاسعار المتقلبة يوميا تجعل من الصعب على التاجر والمستهلك التخطيط لاحتياجاتهم الاساسية في ظل تدهور قيمة العملة.

مطابخ تفتقر للغذاء وعلاج مؤجل

وبينت هدية موسى ان ميزانية منزلها التي كانت تكفي للشهر بالكامل اصبحت الان بالكاد تغطي احتياجات اسبوع واحد فقط. واوضحت انها اضطرت لحذف اللحوم من قائمة طعام اطفالها والاعتماد الكلي على البقوليات والبطاطس لتقليل النفقات. واكدت ان الازمة دفعت الكثير من العائلات الى اعادة ترتيب حياتها على اساس الاولويات القصوى التي تضمن لهم الاستمرار فقط.

واظهرت البيانات ان التقشف طال حتى الحقيبة المدرسية التي اصبحت تفتقر للوجبات المغذية بسبب ارتفاع التكاليف. واكد عماد علي انه يضطر للاعتماد على خيارات رخيصة ومكررة لاطفالها الذين بدأوا يشعرون بوطأة الحرمان. واوضحت الدراسات ان ملايين السودانيين يعانون اليوم من انعدام الامن الغذائي الحاد مما يهدد جيلا كاملا بسوء التغذية.

واكدت التقارير الصحية ان فاتورة العلاج اصبحت تشكل عبئا لا يطاق في ظل خروج نسبة كبيرة من المرافق الصحية عن الخدمة. واوضحت سهام في ختام حديثها ان زوجها المريض يحتاج لدواء لا تملك ثمنه لانها تضطر للمفاضلة بين شراء الطعام او توفير العلاج. واضافت ان الحياة اصبحت سلسلة من الحسابات القاسية التي تنتهي كل يوم بانتظار صباح جديد يحمل معه مزيدا من التحديات والمتاعب.