بقلم: المستشار القانوني علي عوني الرجوب

تُمثل القضايا التنفيذية والمطالبات المالية أحد أكثر المحاور حساسية في المنظومة القضائية؛ نظراً لتماسها المباشر مع أمرين أحاطهما الشرع والقانون بحماية فائقة: حرية الإنسان، وحرمة الأموال.

ومن هذا المنطلق، نجد من الواجب المهني والأخلاقي، أن نضع حدوداً فاصلة للدور القانوني، الذي يقتضي حفظ حق الدائن وتحصيله بالوسائل التي أتاحها القانون، من خلال إقامة الدعاوى والمطالبات ومتابعة إجراءات التنفيذ والحجز وتتبع الأموال والموجودات، دون أن يعني ذلك التصدّر للمطالبة بسلب حرية المدين الذي ثبت عجزه الحقيقي عن الوفاء أو الزج به في السجون لمجرد إعساره.

فنحن هنا لا نجادل في مشروعية الديون ولا في وجوب أدائها لأصحابها، ولا ندعو إلى المماطلة أو التحلل من الالتزامات؛ وإنما نطرح رؤية قانونية وشرعية وإنسانية تضع فاصلاً واضحاً بين المعسر الحقيقي والقادر المماطل، لأن مساواة الاثنين في المعاملة لا تحقق العدالة، بل تخلط بين حالتين مختلفتين في جوهرهما.

أولاً: التأصيل الشرعي والدولي لعدم حبس المدين المعسر

إن الشريعة الإسلامية لم تجعل مجرد العجز الحقيقي عن الوفاء بالدين جريمةً تستوجب العقوبة السالبة للحرية، ولم يرد في القرآن الكريم والسنة النبوية حدٌّ أو عقوبة مقدرة لمجرد الدين أو لمجرد العجز الحقيقي عن أدائه.

بل جاءت الشريعة بمبدأ واضح في مراعاة حال المعسر، فقال الله تعالى:

﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾
البقرة: 280.

فالآية لم تجعل العجز عن الوفاء سبباً لمزيد من التضييق على المدين، وإنما قررت له الإمهال إلى حين الميسرة، في مقابل بقاء حق الدائن ثابتاً في ذمة المدين.

ويؤكد هذا المنهج النبوي فيما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، في قصة الرجل الذي أصيب في ثمار ابتاعها، فكثُر دينه، فقال النبي ﷺ : «تصدّقوا عليه»، ثم لما لم يبلغ ما جُمع له وفاء دينه، قال لغرمائه: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك».

والدلالة المهمة في هذه الواقعة أن معالجة حالة المدين الذي استغرقت ديونه ماله لم تتجه إلى الانتقام منه أو تحويل عجزه المالي إلى عقوبة شخصية، وإنما اتجهت إلى التعامل مع أمواله الموجودة، مع بقاء حق الغرماء في الحدود التي تسمح بها حالته المالية.

وفي المقابل، فإن الشريعة لم تفتح باباً للمماطلة أمام القادر على الوفاء؛ فقد قال النبي ﷺ:

«مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ».

وهنا يظهر الفارق الجوهري الذي ينبغي أن يحكم أي سياسة تشريعية في هذا المجال:

المعسر الحقيقي ليس كالقادر المماطل.

فالأول لا يملك ما يؤدي به الدين، أما الثاني فيملك القدرة لكنه يمتنع عن الوفاء أو يتعمد تأخيره أو يتخذ من الوسائل ما يعرقل التنفيذ. ومن ثم، فإن حماية المعسر لا تعني حماية المماطل، كما أن مكافحة المماطلة لا ينبغي أن تتحول إلى معاقبة من ثبت عجزه الحقيقي.

وهذا التصور يلتقي كذلك مع الاتجاه الذي كرسته المواثيق الدولية الحديثة؛ فقد نصت المادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على مبدأ واضح مؤداه أنه لا يجوز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي.

وبذلك فإن حماية المدين المعسر من السجن ليست فكرة طارئة على العدالة الحديثة، بل هي مبدأ يجد له أساساً في الفقه الإسلامي، كما يجد له تعبيراً صريحاً في القانون الدولي لحقوق الإنسان.

ثانياً: كرامة المدين المعسر ورفض مساواة العجز المالي بالجريمة

إن المدين المعسر ليس مجرماً لمجرد إعساره.

وهذه حقيقة ينبغي أن تبقى حاضرة عند مناقشة فلسفة حبس المدين؛ لأن الجريمة تقوم على فعل أو امتناع مجرّم قانوناً، في حين أن العجز المالي قد يكون نتيجة ظروف اقتصادية أو اجتماعية أو تجارية خارجة عن إرادة المدين.

فشتان بين من تعثرت به ظروف الحياة، أو خسر تجارته، أو فقد مصدر دخله، أو تراكمت عليه الالتزامات بحيث أصبح عاجزاً فعلاً عن الوفاء، وبين من ارتكب فعلاً مجرّماً كالاحتيال أو السرقة أو إساءة الائتمان أو التزوير.

وفي الحالة الثانية، فإن المسؤولية الجزائية تقوم على الفعل الجرمي المستقل متى توافرت أركانه القانونية، وليس على مجرد وجود الدين.

أما أن يُعامل الإنسان معاملة المجرمين لمجرد أنه لم يستطع دفع دينه، فذلك يثير سؤالاً جوهرياً حول مدى جدوى هذا الإجراء في تحقيق الغاية الأصلية من التنفيذ، وهي استيفاء حق الدائن.

فما الفائدة العملية من سلب حرية المدين العاجز إذا كان لا يملك مالاً أصلاً؟

بل قد يؤدي حبسه إلى نتيجة عكسية؛ إذ يُحرم من إمكانية العمل والإنتاج وتوفير الدخل الذي يمكن أن يسهم في سداد الدين، كما قد تتضرر أسرته نتيجة فقدان مصدر دخلها، وتتحول المشكلة من علاقة مالية بين دائن ومدين إلى مشكلة اجتماعية أوسع.

ومن هنا فإن فلسفة التنفيذ الحديثة ينبغي أن تنصرف، بقدر أكبر، إلى تتبع الذمة المالية للمدين وليس تقييد ذمته الجسدية.

فإذا كان للمدين راتب، أو حسابات مصرفية، أو عقارات، أو مركبات، أو حصص أو أسهم، أو حقوق مالية لدى الغير، أو أموال يمكن قانوناً الحجز عليها، فإن الطريق الطبيعي هو الوصول إلى تلك الأموال واستيفاء الحق منها وفقاً للقانون.

أما إذا ثبت أن المدين لا يملك ما يمكن التنفيذ عليه، فإن سجنه لن يخلق مالاً من العدم.

ثالثاً: التحول التشريعي الأردني نحو الحد من حبس المدين

وفي هذا السياق، يُحسب للمشرّع الأردني أنه اتجه خلال السنوات الأخيرة إلى إعادة النظر في فلسفة حبس المدين.

فبموجب القانون المعدل لقانون التنفيذ رقم (9) لسنة 2022، جرى تعديل المادة (22) بما أعاد رسم نطاق حبس المدين، وأصبح الأصل في الالتزامات التعاقدية عدم حبس المدين عند عجزه عن الوفاء، مع بقاء حالات مستثناة نص عليها القانون.

وقد دخل هذا التعديل المتعلق بحبس المدين حيز التطبيق بتاريخ 25 حزيران 2025، بما يمثل تحولاً تشريعياً مهماً في فلسفة التنفيذ الأردنية.

وهذا التحول لا ينبغي النظر إليه باعتباره انتصاراً للمدين على حساب الدائن، وإنما باعتباره محاولة لإعادة التوازن بين حقين متقابلين: حق الدائن في استيفاء ماله، وحق المدين المعسر في ألا تتحول حالته المالية إلى عقوبة تمس حريته وكرامته لمجرد العجز.

وهنا يجب التأكيد على أن الحد من الحبس لا يعني تعطيل التنفيذ.

فالدائن ما زال يملك وسائل قانونية متعددة لحماية حقه، من الحجز على الأموال، والتنفيذ على الأموال المنقولة وغير المنقولة، والاقتطاع من الأجور ضمن الحدود القانونية، وتتبع الأموال والحقوق المالية، واتخاذ الإجراءات التي رسمها قانون التنفيذ.

بل إن قوة نظام التنفيذ لا تقاس بعدد الأشخاص الذين يدخلون السجون، وإنما بمدى قدرته على تحويل الأحكام والسندات التنفيذية إلى حقوق مالية مستوفاة فعلاً.

ومن هذه الزاوية، فإن تقليص نطاق الحبس لا ينبغي أن يكون نهاية التطوير، بل بداية لمرحلة أكثر فعالية في تطوير وسائل التنفيذ المالي وتتبع الأصول ومنع تهريب الأموال وإخفائها.

رابعاً: منع السفر بين ضرورة التنفيذ وحماية الحرية الدستورية

إذا كان المشرّع قد اتجه إلى تضييق نطاق حبس المدين، فإن مسألة أخرى تستحق وقفة قانونية جادة، وهي منع السفر في القضايا التنفيذية.

فالدستور الأردني نص في المادة (9) على أنه:

«لا يجوز أن يحظر على أردني الإقامة في جهة ما أو يمنع من التنقل ولا أن يلزم بالإقامة في مكان معين إلا في الأحوال المبينة في القانون.»

ومن ثم، فإن منع السفر لا يمكن التعامل معه باعتباره إجراءً عادياً أو تلقائياً، لأنه في جوهره قيد على حرية دستورية، ولا تكون مشروعيته لمجرد وجود دين أو ملف تنفيذي، وإنما يجب أن تستند إلى النص القانوني وشروطه وغاياته.

وقد وضع قانون التنفيذ في مادته (26) إطاراً محدداً لمنع السفر، في الحالات التي تتوافر فيها من الوقائع والأدلة ما يقنع رئيس التنفيذ بأن المدين تصرف بأمواله أو أخفاها أو أنه على وشك مغادرة البلاد بقصد تأخير التنفيذ، مع الإجراءات والضمانات التي نص عليها القانون.

وهذا يعني أن منع السفر، في الأصل، ليس عقوبة على الدين، وإنما وسيلة احترازية مرتبطة بهدف تنفيذي محدد.

ومن هنا فإن الإشكال الدستوري والقانوني لا يثور بالضرورة من كل منع سفر، وإنما يثور عندما يتحول هذا الإجراء الاستثنائي إلى ممارسة تلقائية أو غير مبررة أو تتم خارج الشروط والحدود التي رسمها القانون.

فالقاعدة الدستورية هي حماية حرية التنقل، والاستثناء هو تقييدها في الحالات التي يجيزها القانون.

كما أن علينا ألا نغفل جانباً مهماً؛ فقد يكون سفر المدين لأغراض العمل هو الوسيلة التي تمكنه من تحقيق دخل جديد وسداد الدين، وبالتالي فإن منع السفر في حالة المدين المعسر، دون وجود سبب قانوني يبرره، قد لا يخدم الدائن في نهاية المطاف، بل قد يضعف قدرة المدين على الوفاء.

وهنا يجب أن يكون السؤال دائماً:

هل الإجراء المتخذ يزيد من فرص استيفاء الدين، أم أنه يحول دون ذلك؟

خامساً: ماذا عن ديون الإيجار؟ وهل ينبغي أن يبقى المستأجر مهدداً بالحبس؟

ومن أكثر المسائل التي تستحق النقاش في السياسة التشريعية مسألة ديون عقود الإيجار.

فقد أبقى التعديل التشريعي عقود إيجار العقار ضمن الاستثناءات التي لا يشملها الأصل العام المتعلق بعدم حبس المدين في الالتزامات التعاقدية.

وهنا أرى أن النقاش يجب ألا يتوقف عند كون الالتزام ناشئاً عن عقد إيجار، بل ينبغي أن يمتد إلى طبيعة المصلحة التي يحميها القانون، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالإيجار السكني.

فالسكن ليس مجرد معاملة مالية عابرة؛ بل إنه من الاحتياجات الأساسية لاستقرار الإنسان والأسرة والمجتمع. ولا يعني ذلك القول إن الدستور الأردني نص صراحة على حق مستقل في السكن، فهو لم يفعل، وإنما المقصود أن الاعتبارات الاجتماعية والإنسانية المرتبطة بالسكن ينبغي أن تكون حاضرة عند رسم السياسة التشريعية والتنفيذية.

ومن غير المنطقي أن تتحول العلاقة الإيجارية إلى طريق يؤدي إلى حبس المستأجر العاجز عن دفع الأجرة، في الوقت الذي يمكن فيه للدائن المؤجر أن يستخدم الوسائل القانونية للمطالبة بالأجرة وإخلاء المأجور وفقاً للقانون.

فالهدف من التنفيذ هو استيفاء الأجرة وإعادة الحق إلى صاحبه، وليس تحويل العجز المالي للمستأجر إلى عقوبة سالبة للحرية.

وهنا أرى أن السياسة التشريعية الأردنية تستحق مزيداً من النقاش حول مدى ملاءمة إبقاء حبس المدين في ديون الإيجار السكني تحديداً، مع إمكانية حماية حق المؤجر بوسائل تنفيذية وقضائية فعالة دون الوصول إلى سلب حرية المستأجر المعسر.

ختاماً،،،

إن العدالة التنفيذية لا تعني الانحياز إلى الدائن ضد المدين، ولا إلى المدين ضد الدائن.

فالحق المالي للدائن حق مشروع يجب حمايته، والدين واجب الأداء متى ثبت واستحق، والمماطلة من القادر على الوفاء لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة للإفلات من الالتزام.

وفي الوقت ذاته، فإن العجز الحقيقي عن الوفاء ليس جريمة، ولا ينبغي أن يتحول إلى عقوبة شخصية.

ولهذا فإن التطوير الحقيقي لمنظومة التنفيذ يجب أن يستمر في الاتجاه نحو الحجز الفعال، وتتبع الأموال والأصول، والاقتطاعات القانونية، وكشف الأموال المخفية، ومنع التحايل على التنفيذ، وملاحقة التصرفات التي يقصد منها الإضرار بحقوق الدائنين، مع إبقاء الحرية الشخصية في إطار الحماية التي رسمها الدستور والقانون.

فالعدالة ليست أن نترك الدائن بلا حق، كما أنها ليست أن نسلب المدين المعسر حريته لمجرد أنه أصبح عاجزاً عن الوفاء.

العدالة أن نحمي حق الدائن دون أن نهدر كرامة المدين، وأن يكون التنفيذ واقعاً على المال متى أمكن، لا على الإنسان.

وفي النهاية، فإن السؤال الذي ينبغي أن يحكم فلسفة التنفيذ ليس:

كيف نسجن المدين؟

بل:

كيف نستوفي حق الدائن بأكثر الوسائل فاعلية، مع أقل مساس ممكن بحرية الإنسان وكرامته؟

وهنا تلتقي مقاصد الشريعة مع المبادئ الدستورية والعهود الدولية والاتجاهات الحديثة في العدالة التنفيذية:
حماية الحق، ومكافحة المماطلة، وإنصاف المعسر، وصون كرامة الإنسان.

والله من وراء القصد،،،