بقلم : محمد النجار

ليس كل من امتلك كاميرا استطاع أن يصنع رسالة، وليس كل من حصد ملايين المشاهدات استطاع أن يترك أثرًا.

في زمنٍ أصبحت فيه الشهرة أحيانًا أسرع من الفكرة، وأصبحت بعض منصات التواصل تكافئ الأكثر إثارة أكثر مما تكافئ الأكثر إبداعًا، يأتي جو حطاب ليؤكد أن للمحتوى الهادف مكانًا، وأن المعرفة يمكن أن تكون ممتعة، وأن رحلةً تبدأ من خلف شاشة الهاتف قد تنتهي بتغيير نظرتنا إلى العالم.

جو حطاب لم يجعل من السفر مجرد انتقال بين البلدان، بل حوّله إلى تجربة إنسانية ومعرفية. أخذنا معه إلى أماكن نادرة، وإلى بيئات قاسية تصل فيها درجات الحرارة إلى -71 درجة مئوية، وإلى غابات الأمازون، وبين شعوب وثقافات مختلفة، واقترب بنا من أماكن يصعب على الإنسان أن يتخيلها أو يزورها، ومنها أخطر السجون في العالم.

كان يمنح المكان أكثر من صورة؛ يمنحه حكاية.

ومن خلال أسلوبه، أصبحنا لا نكتفي بمعرفة اسم الدولة أو مشاهدة طبيعتها، بل نتعرف إلى أهلها وعاداتها وتاريخها وطريقة حياتها، ونكتشف أن خلف كل مكان قصة، وخلف كل شعب ذاكرة، وأن العالم أوسع بكثير من الصور التي نراها على شاشاتنا.

وربما لهذا السبب نجح في الوصول إلى الملايين؛ لأنه لم يقدم للمتابع رحلةً تنتهي بانتهاء الفيديو، بل ترك في داخله فضولًا وأسئلة ورغبة في المعرفة. حتى إن بعض رحلاته تستحضر في الذاكرة ذلك الشغف القديم باكتشاف العالم الذي نقرأ عنه في كتب الرحالة، ولعل كتاب ابن بطوطة «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» أحد أبرز الأمثلة على ذلك الشغف الإنساني بالسفر والاكتشاف.

لكن النجاح الحقيقي لا يقاس دائمًا بعدد المشاهدات.

فقد يجوب الإنسان العالم، وتفتح له المدن أبوابها، ويصبح اسمه معروفًا في أماكن بعيدة، إلا أن هناك تكريمًا يبقى مختلفًا عن كل تكريم، وفرحةً لا تشبهها فرحة أخرى:

أن يُكرَّم الإنسان بين أهله، وأن يرى وطنه في ما صنع، وأن يشعر بأن ما قدمه لم يكن مجرد نجاح شخصي، بل إضافة إلى المكان الذي ينتمي إليه.

وهنا تأخذ قصة جو حطاب معنى آخر.

فبعد أن عرفه العالم من خلال رحلاته، عاد ليقدم الأردن بطريقة مختلفة؛ الأردن الذي ربما نعيش فيه يوميًا حتى ننسى أحيانًا مقدار الجمال الذي يحمله. جال بين مناطقه ومعالمه، وقدم عجلون وغاباتها، وجرش وآثارها، والبتراء بتاريخها المهيب، والعقبة بوصفها ثغر الأردن الباسم، وأعاد تقديم هذه الأماكن للأردني قبل السائح.

وهذه النقطة بالذات تستحق التوقف عندها.

فالسياحة الداخلية لا تحتاج دائمًا إلى اكتشاف أماكن جديدة، بقدر ما تحتاج أحيانًا إلى إعادة اكتشاف الأماكن التي نعرفها بعين مختلفة. وربما هذا ما استطاع جو حطاب أن يفعله؛ أن يجعل الأردني ينظر إلى مدينته وقريته وآثاره وطبيعته بشيء من الدهشة التي ينظر بها السائح إلى المكان للمرة الأولى.

وهو أمر ينسجم مع الاهتمام الذي عبّر عنه سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني في أكثر من مناسبة بجمال الأردن، وبما يمتلكه من مواقع تاريخية وطبيعية، وبأهمية تنشيط السياحة الداخلية وتعريف الأردنيين بكنوز وطنهم.

ومن هنا، فإن تكريم جو حطاب من الهاشميين لا يمكن النظر إليه باعتباره احتفاءً بشخص نجح على منصات التواصل الاجتماعي وحسب؛ بل هو تقدير لموهبة استطاعت أن توظف حضورها في خدمة صورة الأردن، وأن تجعل من الشغف الشخصي منفعة عامة، ومن النجاح الفردي مساحةً ليتقدم فيها اسم الوطن.

وهذه واحدة من السمات التي تجعل التكريم الهاشمي مختلفًا في وجدان الناس؛ فهناك دائمًا قدرة على التقاط التفاصيل التي قد تبدو صغيرة، لكنها تحمل معنى كبيرًا. أن تلتفت إلى شاب مبدع، وأن تمد له يد التعاون، وأن تقول له بطريقة عملية إن ما يفعله يستحق الدعم، هو في حد ذاته رسالة إلى كل شاب أردني بأن الإبداع يمكن أن يجد من يؤمن به، وأن النجاح حين يخدم الوطن يصبح أكثر قيمة.

ولعل أجمل ما في الحكاية أن جو حطاب لم يحتج إلى أن يترك الأردن حتى يكتشف العالم، ثم يعود ليكتشف بلده؛ بل حمل الأردن معه أينما ذهب، وعندما عاد إليه استطاع أن يرى فيه ما قد لا نراه نحن من فرط الاعتياد.

وهنا يصبح التكريم أكبر من لحظة احتفالية.

إنه رسالة لكل صانع محتوى، ولكل مصور، ولكل كاتب، ولكل شاب يحمل فكرة ولا يعرف إلى أين يمكن أن تصل: لا تستهِن بما تصنعه إذا كان يحمل قيمة.

فربما تبدأ الفكرة بهاتف وكاميرا، وربما يبدأ الطريق بمقطع يشاهده عدد قليل من الناس، لكن الإصرار والصدق والقدرة على تقديم شيء مختلف يمكن أن يحول تلك المحاولة الصغيرة إلى مشروع يعرفه الملايين.

والأجمل أن النجاح لا يفقد معناه عندما يصل صاحبه إلى القمة، بل يكتسب معنى أكبر عندما يتذكر من أين بدأ، ولمن يعود، وما الذي يستطيع أن يقدمه لمجتمعه ووطنه.

جو حطاب اليوم ليس مجرد اسم في عالم صناعة المحتوى؛ إنه مثال على أن الجيل الجديد قادر على صناعة صورة جميلة عن بلده بلغته وأدواته، وأن الشاب الأردني يستطيع أن يصل إلى العالم دون أن يفقد جذوره، بل ربما تكون جذوره هي التي تمنحه القدرة على الوصول.

فالعالم قد يمنحك الشهرة، لكن الوطن يمنح نجاحك المعنى.

وقد يحصد الإنسان ملايين المشاهدات، وتحتفي به المنصات، وتتناقل اسمه وسائل الإعلام، لكن تبقى هناك لحظة أكثر دفئًا من كل ذلك: أن تقف في وطنك، بين أهلك، وتشعر أن الذين ينظرون إليك لا يرون عدد متابعيك، بل يرون تعبك، وشغفك، وما حاولت أن تقدمه.

وهذه هي أجمل حكايات النجاح؛ أن تسافر بعيدًا دون أن تبتعد عن وطنك، وأن يفتح لك العالم أبوابه دون أن تنسى الباب الذي خرجت منه، وأن تعود فيجد الوطن في ما فعلت شيئًا منه.

لذلك، فإن تكريم جو حطاب ليس نهاية رحلة، بل ربما هو بداية مرحلة أجمل؛ مرحلة يصبح فيها التعاون بين الموهبة والمؤسسات الوطنية طريقًا لصناعة صورة أكثر جمالًا عن الأردن، صورة لا تعتمد على الشعارات وحدها، وإنما على قصص حقيقية، وأماكن حقيقية، ووجوه أردنية قادرة على أن تقول للعالم: هنا وطن يستحق أن يُرى، وأن يُكتشف، وأن يُحكى عنه.

وفي النهاية، قد تختلف أدوات النجاح من جيل إلى آخر، وقد تتغير المنصات والوسائل، لكن القاعدة ستبقى واحدة:

حين يمتلك الإنسان موهبة، ويمنحها لوطنه، يصبح نجاحه الشخصي جزءًا من نجاح المكان الذي ينتمي إليه.

وهذا هو المعنى الأجمل في قصة جو حطاب؛ أنه لم يكتفِ بأن يجعل العالم يرى ما حوله، بل استطاع في مرحلة من رحلته أن يجعلنا نحن، أبناء هذا الوطن، نتوقف قليلًا وننظر إلى الأردن من جديد... وكأننا نراه للمرة الأولى.