ساد شعور ببارقة أمل في الشارع الفلسطيني العام الماضي حينما توالت اعترافات دول غربية كبرى بالدولة الفلسطينية، غير أن هذا الأمل اصطدم بجدار الواقع المرير مع استمرار التدهور الميداني وغياب أي أفق سياسي حقيقي. وأكد العديد من المواطنين الفلسطينيين أن الاعترافات الدولية لم تنعكس إيجابا على حياتهم اليومية، بل على العكس تماما، إذ تزداد الأوضاع سوءا في ظل تصاعد العمليات العسكرية وتوسع رقعة الاستيطان التي تلتهم ما تبقى من أراض، مما يجعل حلم الدولة المستقلة يبدو أكثر ابتعادا من أي وقت مضى.
وبين آدم بدر، وهو شاب فلسطيني من الضفة الغربية، أن السعادة التي غمرت الفلسطينيين لحظة سماع أخبار الاعترافات سرعان ما تلاشت، موضحا أن الغياب التام لأي تحسن ملموس على الأرض جعل الناس يشعرون بالعجز والخذلان، حيث باتت الحياة اليومية محفوفة بالمخاطر والقيود التي تفرضها سلطات الاحتلال في كل مكان.
وأشار مراقبون إلى أن المشهد السياسي الفلسطيني يمر بمرحلة حرجة للغاية، حيث ترفض إسرائيل بشكل قاطع مبدأ الدولة الفلسطينية، وتعمل على عزل السلطة الفلسطينية وإضعافها سياسيا وماليا، فيما لا تزال التساؤلات قائمة حول مصير قطاع غزة في ظل استمرار تداعيات الحرب التي لم تضع أوزارها بشكل نهائي بعد.
واقع سياسي معقد وتحديات ميدانية
وكشفت التحركات الدبلوماسية الأخيرة، التي قادها زعماء دوليين، عن محاولات لإيجاد مسارات سياسية جديدة، لكنها اصطدمت بتعنت الحكومة الإسرائيلية التي تعتبر الاعتراف بالدولة الفلسطينية مكافأة لطرف معين، وتصر على فرض سيطرتها الكاملة على الضفة الغربية والقدس الشرقية.
وأكد عمر عوض الله، المسؤول في الخارجية الفلسطينية، أن الاعتراف الدولي يمثل مكسبا سياسيا ودبلوماسيا مهما، لكنه يبقى رهينة للسلوك الإسرائيلي الذي لا يكترث بالقرارات الدولية، مبينا أن المطلوب الآن هو اتخاذ إجراءات عملية وحازمة ضد الاستيطان غير القانوني بدلا من الاكتفاء بالتصريحات والاعترافات النظرية.
وأوضحت إيناس عبد الرازق، المحللة السياسية، أن حل الدولتين تحول في نظر الكثيرين إلى مجرد لازمة دبلوماسية لتفادي مواجهة الحقيقة المرة، مشددة على أن السيطرة الإسرائيلية الكاملة على الأراضي الفلسطينية تجعل من الحديث عن دولة مستقلة أمرا يفتقر إلى المقومات الأساسية على أرض الواقع.
تصاعد الاستيطان وسياسة الخنق الاقتصادي
وتشهد الضفة الغربية توسعا غير مسبوق في البؤر الاستيطانية، وسط تحذيرات من أن إسرائيل تعمل على ضم الضفة بحكم الأمر الواقع، في وقت تعاني فيه السلطة الفلسطينية من أزمات مالية خانقة نتيجة احتجاز عوائد الضرائب، مما يعيق قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.
وذكرت تقارير أممية أن وتيرة هجمات المستوطنين ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم ارتفعت بشكل ملحوظ خلال العام الحالي، في ظل غياب المساءلة القانونية، وتزايد الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية التي تقطع أوصال القرى والمدن الفلسطينية وتتحكم في حركة السكان.
وأكد مهندسون ومراقبون في الداخل الفلسطيني أن الفارق لا يزال شاسعا بين ما يدور في أروقة الأمم المتحدة والعواصم الغربية وبين المعاناة التي يعيشها المواطن الفلسطيني يوميا، حيث لا يزال الطموح بالاستقلال يصطدم بسياسات التضييق الممنهجة التي تهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني لصالح التوسع الاستيطاني.
