يواجه السودان تحديات وجودية تهدد امنه الغذائي في ظل موسم زراعي مضطرب يجمع بين شح الامطار وتداعيات النزاع المسلح المستمر. وتؤكد التقارير الميدانية ان تراجع معدلات هطول الامطار في معظم مناطق الانتاج تسبب في تعثر عمليات الانبات ونمو المحاصيل بشكل كبير. واوضحت مصادر متطابقة ان نقص مياه الري وانقطاع التيار الكهربائي اللازم لتشغيل الطلمبات زاد من تعقيد المشهد الزراعي هذا الموسم. واظهرت المؤشرات الاولية ان ضعف الموسم الحالي سيؤدي حتما الى فجوة كبيرة في توفر الغذاء وارتفاع جنوني في اسعار السلع الاساسية خلال الفترة القادمة.

واكد مزارعون في مناطق الجزيرة والمناقل ان علامات الفشل ظهرت منذ بدايات الموسم نتيجة عدم تطهير الترع وتأخر وصول التمويل اللازم للعمليات الزراعية. واضافوا ان نسبة كبيرة من المساحات المخصصة للذرة والقطن والفول مهددة بالكامل بالعطش مما دفع العديد من المزارعين للاحجام عن الزراعة خوفا من تكبد خسائر فادحة. وبينت الاحصاءات الميدانية ان اسعار الحبوب سجلت قفزات تاريخية حيث تراوح سعر جوال الذرة بين 500 و600 الف جنيه في معظم الاسواق المحلية.

وكشفت منظمة الاغذية والزراعة فاو ان الامطار التراكمية جاءت دون المتوسط في معظم ولايات الانتاج مما يلقي بظلال قاتمة على انتاج الحبوب للعام المقبل. واشارت المنظمة الى ان المزارعين يعانون من ضغوط مضاعفة بسبب ارتفاع تكاليف الانتاج وتراجع القدرة على الري. واضافت ان التداعيات بدات تظهر في غرب السودان من خلال تدهور المراعي ونفوق اعداد كبيرة من الماشية نتيجة انعدام مصادر المياه.

ازمة الري وانقطاع الكهرباء تعصف بالمشاريع الزراعية

وبين رئيس اتحاد مزارعي دنقلا طه جعفر ان الولاية الشمالية تعيش وضعا كارثيا حيث جفت ترع السليم وارقو التي كانت تمتلئ بالمياه في مثل هذا الوقت من العام. واكد ان اشجار النخيل التاريخية بدات تعاني من العطش الشديد نتيجة فشل انظمة الري المرتبطة بالكهرباء. واضاف ان الكثير من المزارعين فقدوا الامل في الموسم الحالي بعد ان اصبحت المياه بعيدة المنال رغم قربهم من النيل.

واوضح وزير الطاقة المعتصم ابراهيم ان الحكومة تضع اولوية قصوى لتوفير الكهرباء للمشاريع الزراعية عبر سد مروي والربط المصري. وشدد على ان هناك تحسنا تدريجيا في الامداد الكهربائي لضمان استمرار عمليات الري في المناطق الشمالية. واكد ان الوزارة تعمل جاهدة لتجاوز عقبات نقص الوقود والطاقة التي واجهت المزارعين في بداية الموسم.

وتحدث المزارع ايمن اسماعيل عن مخاطر مشابهة في ولاية سنار حيث ادى انخفاض منسوب النيل الازرق الى عجز طلمبات الري عن العمل. واضاف ان اكثر من 2500 فدان ظلت خارج دائرة الانتاج بسبب الجفاف وعدم توفر المياه في الوقت المناسب. وبين ان الاعتماد الكلي على الامطار اصبح مخاطرة غير محسوبة في ظل التغيرات المناخية التي تشهدها البلاد.

دارفور وكردفان في مواجهة خطر المجاعة

وكشفت تقارير برنامج الاغذية العالمي ان دارفور تشهد جفافا لم يسبق له مثيل منذ عام 1984 مما يفاقم خطر المجاعة في مناطق النزاع. واكد القائم باعمال المدير التنفيذي للبرنامج كارل سكاو ان الوضع في دارفور يتطلب تحركا عاجلا لتفادي كارثة انسانية محققة. واضاف ان نفوق مئات الرؤوس من الماشية في جبل عيسى هو مؤشر خطير على فقدان سبل العيش للرعاة والمزارعين على حد سواء.

واكدت غرفة طوارئ دار حمر في غرب كردفان ان مناطق النهود وابوزبد تواجه ازمة غذائية حادة نتيجة تضرر الزراعة وصعوبة حركة السلع بسبب الحرب. واضافت ان الاسعار في اسواق دارفور وكردفان ارتفعت بمعدل 7 اضعاف عما كانت عليه قبل اندلاع الحرب. وبينت ان تعطل طرق التجارة وارتفاع تكاليف النقل جعلت من الصعب وصول الغذاء للمناطق المتضررة.

واضاف المزارع عثمان بقادي ان الصورة تبدو متفاوتة في جنوب كردفان حيث تشهد بعض المناطق مثل ابوجبيهة موسما مبشرا نسبيا. وشدد على ان التحدي الحقيقي يكمن في الظروف الامنية التي تمنع المزارعين من الوصول الى حقولهم في مناطق اخرى. وبين ان المخاوف من ظهور افات زراعية جديدة تظل قائمة وتهدد ما تبقى من المحاصيل النقدية.

مستقبل الامن الغذائي في ظل التحديات

واكد برنامج الاغذية العالمي ان نحو 20 مليون شخص يواجهون الجوع في السودان بينهم 5 ملايين في مستويات الطوارئ. واضاف ان نقص التمويل الدولي اضطر المنظمة لتقليص الحصص الغذائية للنازحين مما يزيد من حدة الازمة. وبين ان 14 منطقة في دارفور وجنوب كردفان اصبحت مهددة بالمجاعة اذا استمر القتال وتعطلت سلاسل الامداد.

واكد وزير الزراعة عصمت قرشي ان تقارير المنظمات الدولية مبالغ فيها وان موقف الانتاج الزراعي مطمئن. واضاف ان الحكومة وفرت مبيدات تكفي لثلاث سنوات وعالجت مشاكل الري في مشروع الجزيرة والسوكي. وشدد على ان البلاد لن تجوع وان الموسم الحالي سيحقق نتائج مقبولة رغم كل الصعاب.

وختاما تبقى حقيقة الوضع الميداني مرهونة بقدرة المزارعين على تجاوز عقبات الحرب والجفاف. واكد المراقبون ان تداخل هذه الازمات يجعل من الموسم الحالي اختبارا حقيقيا لقدرة السودان على الصمود. واضافوا ان الايام القادمة ستكشف مدى فاعلية التدخلات الحكومية في تأمين المحصول الرئيسي للبلاد.