خاص- المحرر

فيما لا تزال نيران السياسة تستعر على خارطة العالم وسط اختراقات تستند لميزان القوى المجرد من الشرعية الدولية ذاتها والانسانية برمتها، جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في الجلسة الافتتاحية لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، حجر صحوة في المياه الراكدة إيقظ العالم من حالة السبات والخدر التي انتجتها سياسات التغول الأمريكية والصهيونية النازية، وليقول للعالم أجمع إن غياب المساءلة الدولية أطاح بالشرعية الدولية وحوّل قرارات الأمم المتحدة إلى مجرد حبر على ورق، وأن استمرار سياسة غض الطرف عن الجرائم الصهيونية الممنهجة ومحاولات التهجير القسري لإقصاء الشعب الفلسطيني عن ارضه هو تهديد وجودي للأمن والسلم العالمي بأسره.

اللافت في خطاب الملك ذلك العمق والثقة وصلابة الطرح والموقف للثوابت الأردنية لدولة وضعت امنها وسيادتها خطا احمر صارخا امام اولوياتها ايضا في أهمية دورها بقضايا دول المنطقة مرورا باختراقات دولة الكيان بالتوسع الجغرافي بسوريا، ولا انتهاءً بقضيتها المحورية القضية الفلسطينية، واضعا وداعيا العالم امام مسؤوليته الدولية ازاء تهديدات تحيط بالعالم بأسره لا المنطقة العربية فحسب.

لقد وضع الخطاب الملكي المجتمع الدولي أمام مرآة عوراته السياسية، فاضحاً ازدواجية المعايير التي تشرعن القتل وتصادر الأراضي في غزة والضفة الغربية على حد سواء كوجهين لاستراتيجية شرعنتها دولة الاحتلال لممارسة جرائمها، فلم يكن الخطاب الملكي الهاشمي مجرد تشخيص تقليدي للأزمات، بل كان تحذيراً حازماً أعاد رسم الخطوط الحمراء التي طالما اعلنها الاردن في المحافل الدولية خلال العقود الماضية، فثوابته غير قابلة للمساومة، وأن الصمت الدولي المستمر ازاء القضايا التي تهدد العالم والمنطقة والاردن لم يعد خياراً للمصالح السياسية بين الدول، بل هو شراكة صريحة في الجريمة وتأسيس لواقع عالمي جديد تحكمه شريعة الغاب لا قوة القانون.

الحجر الهاشمي في المياه الراكدة اثار ردود فعل في الشارع العربي والغربي بكثير من التفاصيل والاهتمام تناولته كبريات وسائل الاعلام ، سلطت الضوء خلاله على حجم وصلابة وجرأة مضامين الخطاب الملكي، وقد أفردت الصحف العربية والخليجية مساحات بارزة لتغطية خطاب الملك بتركيزها على صلابة الموقف الأردني وصراحته في تعرية الإستراتيجية "الإسرائيلية" الساعية للتهجير القسري وربطه الصارم بين ما يحدث في غزة والضفة الغربية.

كما سلطت وسائل الإعلام الخليجية الضوء على رسائل الحزم التي وجهها سيد البلاد للمجتمع الدولي، ومفادها أن أمن الأردن القومي، وسيادته، وحدوده ومقدراته المائية خطوط حمراء وثوابت راسخة لا تقبل المساومة أو المهادنة في ظل تقلبات المشهد الإقليمي.

وعلى صعيد الصحافة الغربية، تناولت اكبر الصحف - صحيفة الغارديان البريطانية - اقتباسات قوية ومباشرة من خطاب الملك التي ينتقد فيها غياب المحاسبة الدولية ومحاولة دولة الكيان للافلات من العقاب امام دولة مارست جرائم حرب بحق الفلسطينيين لتكون بالمحصلة دولة بلا رادع، كما ركزت الصحيفة على وصف الملك للإجراءات الصهيونية في الضفة الغربية وغزة بأنها ليست أحداثاً منفصلة، بل هي سياسة ممنهجة تُسمى "التهجير القسري"، وهو ما يُمثل "جريمة حرب" صريحة بموجب القانون الدولي.

فيما ذهبت الشبكة الإخبارية الفرنسية في تغطيتها على التحذيرات الإقليمية الاستراتيجية التي أطلقها الملك، وأشارت إلى أن اللملك عبدالله الثاني بن الحسين نبّه قادة العالم علانية من أن "الأطماع التوسعية" للحكومة "الإسرائيلية" الحالية لم تعد مجرد صراع محلي، بل تحولت إلى "تهديد إقليمي مباشر" يهدد استقرار دول الجوار والأمن والسلم الدوليين ككل.

وابرزت صحيفة "ذا ناشيونال" والمنصات الدولية طبيعة لغة الخطاب حيث افتتح الملك كلمته بلفت الانتباه إلى معضلة العصر الرقمي وتأثير منصات التواصل الاجتماعي على إدراك الأزمات، و تحذير جلالته العالم من خطر "تشتت الانتباه الدولي" والتطبيع مع الكوارث الإنسانية والاعتياد على مشاهد الموت والدمار في غزة وفلسطين.

في حين أجمعت التحليلات الإخبارية الغربية على أن الخطاب حمل رسائل بالغة الأهمية والدلالة، حيث ركزت الصحافة الالمانية على معادلة الملك الحاسمة بأن "الاعتراف بالدولة الفلسطينية ليس مكافأة أو تنازلاً يحتاج الفلسطينيون لاستحقاقه، بل هو حق أصيل وغير قابل للتصرف" بموجب القوانين الدولية، معرجة على تحذير الملك الواضح بشأن التطورات في جنوب سوريا وتأثيرها على الأمن المائي والحدودي للمملكة، مؤكداً أن التزام الأردن بالدبلوماسية نابع من عناصر قوة مبدئية ولا ينبغي لأحد أن يُخطئ في تفسيره كعلامة ضعف، ودعوته لضرورة التوقف عن العيش في "وهم" أن الحكومة الإسرائيلية الحالية شريك حقيقي في السلام، بل يجب اتخاذ إجراءات فعلية مثل فرض العقوبات لوقف خرق القوانين.

الخطاب الملكي لسيد البلاد، لخّص بجرأة وحزم بل وبشراسة موقف الأردن الثابت والمتجذّر حيث لا مساومة أو تأويل، خطاب حمل في مضامينه وراء السطور خطورة امساس بمحور سيادته الأردنية حيث استطاع خلالها الأردن بتفوق انظمة دفاعه الجوية على تغيير مسار أعتى الحروب الراهنة -الحرب الصهيوامريكية وايران- خطاب جاء من منبر عالمي زاد في ثقله وعمقه حجم جدية الاردن في رفض ما يجري تحت طاولة صناع القرار العالمي لمستقبل المنطقة وما يحاك ضد الاردن يعلمه الملك جيدا فكانت الثوابت الأردنية سيادة وحدود وجغرافيا وتاريخ وشعب وكرامة هي الطرح والعتاد في مضامين الخطاب.