بقلم المحامية هنزاد التل،،،،
هل يمكن أن نتعلم شيئًا عن القانون ونحن نعبر الشارع؟
هل يمكن لإشارة مرور، أو رصيف، أو ورقة تعليمات معلّقة على باب محكمة أن تقول لنا شيئًا عن علاقتنا بحقوقنا وبالمكان الذي نعيش فيه؟
لم أتوقع أن تكون بعض أكثر الأفكار التي حملتها معي من شيكاغو قد بدأت من مشاهد عابرة جدًا. لم تكن في قاعة محاضرة، ولا في نقاش قانوني، بل وأنا أمشي في الشارع، أدخل متجرًا، أراقب حركة الناس، أو أقف أمام باب محكمة.
اليوم تحديدًا، زرت محكمتين، وكانت التجربة لافتة بالنسبة لي كمحامية. في كل محكمة وجدت تعليمات واضحة على المنضدة عند الدخول، وبروشورات تشرح المساعدة القانونية لمن يحتاج إليها، وأرقام هواتف لجهات ومحامين يمكن الرجوع إليهم. وأذكر أنني عندما دخلت، وقفت للحظة أقرأ التعليمات وأتأمل المكان. فكرت: لو دخل شخص إلى هنا لأول مرة، ولا يعرف أحدًا ولا يعرف أين يبدأ، فالمعلومة أمامه. لا يحتاج أن يشعر بالارتباك أو أن يبحث طويلًا عمن يدله على الطريق. كل شيء واضح، هادئ، ومنظم. وهذا بالنسبة لي كمحامية كان مشهدًا يستحق التوقف عنده؛ لأن النظام لا يظهر فقط في القرار أو الإجراء، وإنما أيضًا في الطريقة التي نسهّل بها على الإنسان الوصول إلى حقه.
وربما لهذا السبب بدأت ألاحظ الشارع بطريقة مختلفة.
سيارة تتوقف عند إشارة المرور، سائق ينتبه للمشاة، شخص ينتظر دوره، وناس يمشون بهدوء في طريقهم. وفي وسط هذه الحركة، قد يمر بك شخص لا تعرفه فيلقي التحية بابتسامة. أحيانًا تكون مجرد ابتسامة عابرة، لكنها تترك شعورًا جميلًا. وهذا أكثر ما أحب في بعض المشاهد التي أراها هنا: أن التنظيم لا يلغي الجانب الإنساني.
حتى الشوارع والأرصفة تلفت النظر. النظافة، ترتيب المكان، والمساحات التي يستطيع الناس استخدامها، كلها أمور تجعل الإنسان يشعر أن المكان جزء من حياته وليس مجرد طريق يعبره.
وفي المتاجر، ومواقف السيارات، ووسائل النقل، والسكن والعمل، هناك أنظمة وإجراءات يعرف الناس كيف يتعاملون معها. وقد لا تكون الحياة مثالية، ولا يخلو المجتمع من المشكلات والنزاعات، لكن وجود طريق واضح للتعامل مع المشكلة يخفف كثيرًا من الحيرة.
وهنا، كمحامية، لا أستطيع إلا أن أفكر في أهمية الوعي القانوني. أن يعرف الإنسان حقه قبل أن يقع في المشكلة، وأن يعرف إلى من يتوجه عندما يحتاج إلى مساعدة، وأن لا يشعر أن القانون بعيد عنه أو مخصص فقط لمن يعرف كيف يصل إليه.
لكن الرحلة جعلتني أفكر أيضًا في شيء آخر: القانون وحده لا يصنع مجتمعًا مريحًا. هناك سلوك الناس، وطريقة تعاملهم مع بعضهم، وقدرتهم على احترام المساحة المشتركة، وحتى تلك الابتسامة الصغيرة التي لا تحتاج إلى قانون حتى تحدث.
وفي زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا من حياتنا، أحيانًا أشعر أننا نحتاج إلى شيء من هذا الهدوء أيضًا. ليس كل خلاف يحتاج إلى منشور، وليس كل موقف يحتاج إلى جمهور، وليس كل قصة نسمعها تعطينا الحق في إصدار حكم عليها. بعض الأمور تُحل بهدوء، وبعض المسافات تكون أرحم، وبعض الكلمات التي لا نقولها تكون أفضل من كلمات كثيرة قد نندم عليها.
شيكاغو مدينة كبيرة ومتنوعة، فيها لغات وثقافات وعادات مختلفة، ومع ذلك يعيش الناس داخل مساحة مشتركة. وهذا جعلني أفكر في مجتمعاتنا العربية أيضًا؛ لدينا أشياء جميلة لا يمكن تجاهلها، من دفء العائلة إلى الترابط الاجتماعي والتكافل والوقوف إلى جانب الإنسان عندما يحتاج إلى من يسنده.
لذلك، لا أنظر إلى ما أراه هنا بعين المقارنة التي تبحث عن مجتمع أفضل وآخر أسوأ. أنا فقط أراقب، وأتعلم، وأسأل نفسي: ما الذي يمكن أن نأخذه من هذه التجربة ونطوره بما يناسبنا، دون أن نفقد ما يميزنا؟
ربما لا نحتاج دائمًا إلى قوانين جديدة بقدر ما نحتاج إلى أن تكون الحقوق الموجودة أوضح، والمعلومة أسهل وصولًا، والإجراءات أقرب إلى الناس، وأن يشعر الإنسان أن المؤسسة موجودة لخدمته عندما يحتاج إليها.
وأنا أكتب هذه الكلمات الآن من شيكاغو، في مساء هادئ، أفكر أن أجمل ما في السفر ليس أن نعود ونقول: رأيت مكانًا أفضل. أجمل ما فيه أن نعود ونحن نرى مكاننا نحن بعيون أوسع؛ نعرف ما نعتز به، وننتبه إلى ما يمكن أن نطوره، ونأخذ معنا فكرة أو سلوكًا أو تجربة تستحق أن تُروى.
فالقانون ليس فقط ما نقرأه في الكتب، ولا ما نراه في قاعات المحاكم. أحيانًا نراه في إشارة مرور، وفي رصيف نظيف، وفي معلومة موضوعة أمام شخص يحتاج إليها، وفي موظف يعرف كيف يساعد، وفي ابتسامة من شخص لا نعرفه.
ومن شيكاغو… أدركت أن بعض الدروس لا تحتاج إلى قاعة محاضرات؛ بعضها نلتقطه ونحن نمشي في الشارع، ثم نحمله معنا إلى البيت.
