بقلم: مؤيد أحمد المجالي

لم يعد السؤال في الأردن: كم بلغت المديونية؟
فهذا الرقم أصبح معروفاً، وربما فقد من كثرة تكراره قدرته على الصدمة.
(50.121 مليار دينار) هو رصيد دين الحكومة في نهاية تموز 2026، وفق بيانات البنك المركزي، باحتساب ما يحمله صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، فيما يبلغ الرصيد باستثناء حيازات الصندوق نحو (38.140 مليار دينار). وبلغ الدين المترتب للحكومة لصالح صندوق استثمار أموال الضمان وحده نحو (11.982 مليار دينار).
لكنني أعتقد أن هذا الرقم، على ضخامته، ليس هو السؤال الحقيقي.
السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرح أمام الأردنيين ومجلس الأمة والحكومة هو:
لمن يدين الأردن هذه المليارات؟ ومتى اقترضها؟ ولماذا اقترضها؟ ومن قرر الاقتراض؟ وأين ذهبت الأموال؟ وماذا بقي منها؟
هذه ليست أسئلة صحفية ترفية.
إنها أسئلة رقابة ومساءلة وحق عام في المعرفة.

لا يكفي أن تقول لنا الحكومة: علينا 50 ملياراً:
عندما تقول الدولة إن عليها خمسين مليار دينار، فهي تقدم للمواطن النتيجة النهائية، لكنها لا تقدم له بالضرورة قصة هذا الدين.
والدين ليس رقماً مجرداً.
الدين له دائن، وله تاريخ، وله عقد، وله فائدة، وله مدة استحقاق، وله غاية، وله جهة اقترضت، وله جهة أنفقت، وله في النهاية فاتورة يدفعها المواطن.
لذلك فإن كشف الدين العام الحقيقي لا ينبغي أن يكون جدولاً يبدأ بـ"إجمالي الدين" وينتهي به.
بل يجب أن يبدأ من القرض الأول، وصولاً إلى آخر دين اقترضته الدولة.

نريد "كشف حساب" لا رقماً إجمالياً:
نريد أن نعرف، وبالأرقام الرسمية:
من هو كل دائن؟
هل هو صندوق الضمان الاجتماعي؟
هل هو بنك أردني؟
هل هو مؤسسة مالية محلية؟
هل هو صندوق النقد الدولي؟
هل هو البنك الدولي؟
هل هو بنك استثماري أو مؤسسة إقراض دولية؟
هل هي دولة أجنبية؟
هل هو مستثمر يحمل سندات أردنية؟
ثم:
كم يبلغ الدين لكل جهة؟
وليس هذا فقط.
نريد أن نعرف:
متى أخذ الأردن القرض؟
ومن كانت الحكومة التي اتخذت قرار الاقتراض؟
وما الغاية التي اقترض من أجلها؟
وكم كانت قيمة القرض الأصلية؟
وكم دفع الأردن حتى الآن من أصل الدين؟
وكم دفع فوائد؟
وكم بقي؟
ومتى يستحق؟
وما شروطه؟
ثم السؤال الأخطر:
أين ذهبت الأموال؟

لماذا اقترض الأردن؟
هذه ربما هي أهم نقطة في القصة كلها.
فليس كل دين سيئاً بالضرورة، كما أن مجرد وجود قرض لا يعني بالضرورة سوء إدارة.
الدولة قد تقترض لبناء مستشفى، أو مدرسة، أو طريق، أو مشروع طاقة، أو بنية تحتية، أو لمواجهة أزمة استثنائية.
وقد تقترض لتمويل عجز الموازنة.
وقد تقترض لسداد دين سابق.
وقد تعيد تمويل دين قائم بدين جديد.
لكن الفرق بين هذه الحالات هائل اقتصادياً وسياسياً وأخلاقياً.
إذا اقترضت الدولة مليار دينار لبناء أصل منتج، فهناك أصل يمكن قياس أثره.
أما إذا اقترضت ملياراً لسداد مليار سابق، فإن السؤال يصبح:
لماذا وصلنا إلى هذه النقطة أصلاً؟
وإذا استمر الاقتراض عاماً بعد عام لسد العجز، فإن السؤال يصبح أكبر:
هل نحن أمام تمويل مؤقت لأزمة، أم أمام نموذج مالي قائم على الاستدانة؟

الدين الذي لا نعرف قصته يتحول إلى عبء على الأجيال:
المشكلة ليست فقط في أن الحكومة تقترض.
المشكلة أن المواطن الذي سيدفع الضرائب غداً، وأبناؤه الذين سيدفعونها بعد غد، يجب أن يعرفوا ماذا اشترت الدولة بأموالهم المقترضة.
فالقرض الذي يؤخذ اليوم لا ينتهي أثره اليوم.
قد يستمر عشر سنوات أو عشرين سنة أو أكثر.
وخلال هذه السنوات سيدفع الأردنيون:
أصل الدين + الفوائد + تكاليف إعادة التمويل.
وهنا يصبح من غير المقبول أن يعرف المواطن حجم الدين ولا يعرف بصورة مبسطة ومتكاملة تاريخ هذا الدين ومصيره.

الضمان الاجتماعي ليس مجرد رقم في الجدول:
هناك رقم يستحق التوقف عنده طويلاً:
11.982 مليار دينار هي المديونية المترتبة للحكومة لصالح صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي حتى نهاية تموز 2026.
هذا ليس مجرد رقم محاسبي.
إنه في النهاية مرتبط بأموال يفترض أن تكون لها وظيفة أساسية في حماية حقوق المؤمن عليهم والمتقاعدين.
ولهذا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط:
كم اقترضت الحكومة من أموال الضمان؟
بل:
كيف استخدمت هذه الأموال؟ وما العائد الذي تحقق؟ وما تكلفة خدمة هذا الدين؟ وما حجم المخاطر؟ وما قدرة الدولة على الوفاء به مستقبلاً؟
هذه أسئلة مالية قبل أن تكون سياسية.

والأمر نفسه ينطبق على الدين الخارجي:
حين نسمع عبارة "الدين الخارجي" لا ينبغي أن نتعامل معها وكأنها جهة واحدة.
فالدين الخارجي يمكن أن يتكون من قروض لمؤسسات دولية، وقروض ثنائية، وسندات دولية، وتمويل من مؤسسات مالية وغيرها.
وبالتالي فإن عبارة "الأردن مدين للخارج" لا تكفي.
نريد أن نعرف:
من هو الخارج؟
وكم لكل جهة؟
وبأي شروط؟
وبأي فائدة؟
ولأي مشروع أو غرض؟
ومتى يحين السداد؟
وهل كانت الأموال موجهة للاستثمار أم لتمويل النفقات الجارية والعجز وإعادة التمويل؟

ماذا فعلت الحكومة بالمال؟
هذه هي الحلقة المفقودة في كثير من النقاشات حول الدين.
فليس كافياً أن تقدم لنا وزارة المالية رصيداً إجمالياً.
نحن بحاجة إلى مطابقة القرض بالإنفاق.
إذا اقترضت الدولة مبلغاً لمشروع معين، نريد أن نعرف:
كم كانت الكلفة المقدرة؟
كم تم إنفاقه؟
من نفذ المشروع؟
متى انتهى؟
هل انتهى فعلاً؟
ما العائد الاقتصادي أو الاجتماعي منه؟
وهل ما زال قائماً ويعمل؟
وإذا كان القرض لتمويل عجز الموازنة، نريد أن نعرف:
ما أسباب العجز الذي استدعى الاقتراض؟
وإذا كان القرض لسداد قرض سابق:
لماذا لم نستطع سداد الدين من إيرادات الدولة؟
هذه ليست محاكمة للنوايا.
إنها محاولة لفهم الاقتصاد السياسي للدين العام.

أين مجلس الأمة من "قصة الدين"؟
مجلس الأمة لا ينبغي أن يكون مجرد محطة يمر بها مشروع الموازنة ثم ينتهي دوره.
الدين العام التزام على الدولة، والدولة ليست الحكومة وحدها.
الدين التزام على الخزينة العامة وعلى المجتمع وعلى الأجيال القادمة.
ومن هنا فإن الرقابة الحقيقية لا ينبغي أن تكتفي بالسؤال:
كم ستقترض الحكومة في هذه السنة؟
بل يجب أن تسأل:
كيف وصلنا إلى هذا الدين؟
وهل كل قرض اقترضته الحكومات السابقة كان ضرورياً؟
وهل كل قرض أنفق في الغاية التي اقترض من أجلها؟
وهل حققت القروض أهدافها؟
وهل توجد قروض كان يمكن تجنبها؟

نحتاج إلى "سجل تاريخي للدين الأردني":
المطلوب ليس معجزة.
المطلوب جدول رسمي واحد واضح ومتاح للمواطن.
جدول يقول:
- الدائن
- مبلغ القرض
- تاريخ القرض
- الغاية
- الحكومة التي اقترضته
- الفائدة
- مدة القرض
- المسدد
- المتبقي
ثم يضاف إلى ذلك:
- أين أنفقت الأموال؟
- ما المشروع أو الغاية التي مولها القرض؟
- ما الذي تحقق؟
عندها فقط نستطيع أن نبدأ الحديث بجدية عن مسؤولية تراكم الدين.

لا نريد محاكمة الماضي... نريد أن نفهمه:
ليس الهدف تحميل حكومة بعينها كل المديونية.
فالدين تراكم تاريخي، والحكومات تتعاقب، والقروض تستحق ويتم إعادة تمويل بعضها، والاقتصاد يمر بأزمات، والدولة تواجه ظروفاً إقليمية ودولية.
لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني إعفاء أحد من المساءلة.
بل يعني العكس تماماً:
كل حكومة يجب أن تكون مسؤولة عن الدين الذي أنشأته، وعن الغاية التي أنفقته من أجلها، وعن النتائج التي تحققت منه.
وإذا كان الدين ضرورياً، فليقل لنا المسؤولون لماذا كان ضرورياً.
وإذا كان مشروعاً منتجاً، فليظهر لنا المشروع ونتائجه.
وإذا كان الاقتراض لسد عجز، فليشرحوا لنا لماذا حدث العجز.
وإذا كان لإعادة تمويل دين سابق، فليشرحوا لنا لماذا أصبح الدين السابق مستحقاً ولماذا لم تستطع الدولة تخفيض أصل الدين.

الخمسون ملياراً ليست رقماً... إنها قصة دولة:
قد يكون أخطر ما في المديونية أن تتحول إلى رقم معتاد.
في البداية كان الدين ستة مليارات.
ثم أصبح عشرة.
ثم عشرين.
ثم ثلاثين.
ثم أربعين.
ثم أصبح أكثر من خمسين ملياراً.
والخطر أن المواطن قد يتعامل مع كل رقم جديد باعتباره مجرد خبر اقتصادي عابر.
لكن خلف كل مليار هناك قرار.
وخلف كل قرار مسؤول.
وخلف كل قرض عقد.
وخلف كل عقد فوائد واستحقاقات.
وخلف كل استحقاق مال عام سيدفعه الأردنيون.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يعلو اليوم ليس:
كم بلغ الدين الأردني؟
بل:
(من اقترض هذه الأموال؟ ولماذا؟ ومن استفاد منها؟ وأين أنفقت؟ ومن وافق عليها؟ وكم دفعنا فوائد عليها؟ وكم بقي منها؟)
ثم السؤال الذي لا يجوز الهروب منه:
(ماذا حصل الأردن في المقابل؟)
فإذا كانت الدولة قد اقترضت عشرات المليارات خلال عقود، فمن حق المواطن أن يرى كشف الحساب الكامل.
ليس لأن الاقتراض جريمة.
وليس لأن كل دين فساد.
بل لأن المال العام لا ينبغي أن تكون له أسرار أكثر مما يسمح به القانون، والدين العام لا يجوز أن يبقى رقماً بلا ذاكرة.
نريد أن نعرف قصة كل دين... لأن من يدفع الدين من حقه أن يعرف أين ذهب المال.