بقلم: الناقد أسيد الحوتري

في 29 أيلول من كل عام، يحتفي الأردن باليوم الوطني للقراءة، وهي مناسبة اعتمدتها رئاسة الوزراء، وجاءت في سياق الجهود الوطنية الرامية إلى تعزيز القراءة وجعلها عادة وسلوكا اجتماعيا مستداما، لا نشاطا عابرا يرتبط بيوم واحد من أيام السنة. وقد ارتبطت المناسبة بشراكات بين وزارة الثقافة ومؤسسة عبد الحميد شومان ووزارات ومؤسسات وطنية أخرى، فيما يأتي "ماراثون القراءة" الذي أطلقته مؤسسة شومان عام 2020 واحدا من أبرز الأنشطة المرتبطة باليوم الوطني للقراءة.

تتجاوز فكرة الاحتفاء بالقراءة بزيادة عدد الكتب أو الصفحات المقروءة؛ فالهدف الأوسع هو الوصول إلى المعرفة، وتشجيع فعل القراءة، وخلق مجتمعات قرائية وحوارات حول الكتب. تضم الجهود الوطنية في هذا المجال برامج ومبادرات مثل مكتبة الأسرة الأردنية، ومعارض الكتاب التفاعلية، وماراثون القراءة، إلى جانب أنشطة القراءة والمناقشة والحوار.

وهنا أجد أن الاحتفاء بالقراءة يفتح سؤالا آخر لا يقل أهمية عن سؤال: كم نقرأ؟ وهو سؤال: كيف نقرأ؟

فقد نقرأ كتابا كاملا، ونستمتع به، ونفهمه، ثم نكتشف بعد أيام أننا نسينا معظم أفكاره. وقد نقرأ عشرات الكتب من دون أن يترك بعضها أثرا واضحا في طريقة تفكيرنا أو نظرتنا إلى أنفسنا والعالم.

لذلك، عندما نتحدث عن اليوم الوطني للقراءة، فنحن لا نتحدث بالضرورة عن القراءة السطحية، أو القراءة السريعة، أو القراءة لمجرد التسلية. فهذه كلها أشكال مشروعة من القراءة، ولكل منها غايتها ووظيفتها. لكنني أتحدث هنا عن شيء آخر: "القراءة الفاعلة"؛ القراءة التي تترك أثرا في القارئ.

وأقصد بالقراءة الفاعلة تلك القراءة التي لا تنتهي بمجرد إغلاق الكتاب، وإنما تستمر آثارها في داخلنا؛ فتغير شيئا في أفكارنا، أو مشاعرنا، أو سلوكنا، أو عاداتنا وطباعنا، وربما تؤثر في مسار حياتنا. وقد تلخص هذه الفكرة عبارة أجدها معبرة:

"إن الكتاب الذي لم يغيّر فيك شيئا بعد قراءته، هو كتاب لم تقرأه بعد".

لكن كيف نصل إلى هذه القراءة الفاعلة؟

أعتقد أن هناك علاقة وثيقة بين القراءة الفاعلة والذاكرة. فما فائدة أن أقرأ كتابا، وأستمتع به وأفهمه، ثم أنسى بعد أيام معظم أفكاره؟ إن القراءة لا تكتمل، في رأيي، بمجرد الفهم، وإنما تحتاج أيضا إلى الاحتفاظ بما قرأناه، والقدرة على استدعائه ومناقشته وربطه بتجاربنا وحياتنا.

ومن هنا جاءت محاولتي لتقديم طريقة أسميتها "القراءة الحِوارِيّة".

ما القراءة الحوارية؟

القراءة الحوارية هي ألا أتعامل مع الكتاب باعتباره كلاما أستقبله فقط، وإنما أدخل معه في حوار. فالكتاب بالنسبة إليّ ليس صوتا يتحدث وأنا أستمع، بل طرف في حوار أطرح عليه الأسئلة، وأناقش أفكاره، وأختلف معها أحيانا، وأربطها بتجاربي ومعرفتي. وقد قسمت هذا الحوار إلى خمس مراحل:

أولًا: التصوير والحوار السينمائي الذهني

يمكن أن تساعد هذه الطريقة على تثبيت كثير من تفاصيل النص وأفكاره في الذاكرة، خصوصا عند قراءة الرواية والقصة والمسرحية وكتب التاريخ. وقد أطلقت عليها اسم "القراءة السينمائية".

عندما أقرأ مشهدا، لا أكتفي بفهم الكلمات، وإنما أحوّل النص إلى صور ذهنية متحركة؛ إلى شريط سينمائي من صوت وصورة يدور في رأسي. أتخيل المكان والشخصيات وحركتها وحواراتها وتعبيرات وجوهها وإيماءاتها، وأتخيل الأزياء والإضاءة وتفاصيل المكان، وكأنني أشاهد فيلما يصنعه النص داخل رأسي.

عندما أقرأ، مثلا، "ألف ليلة وليلة"، لا أقرأ فقط حكايات شهرزاد لشهريار، وإنما أتخيل شهرزاد وشهريار وشخصيات الحكايات وحواراتهم ونبرات أصواتهم، وأتخيل الأماكن التي تجري فيها الأحداث، ومبانيها وأشجارها وأصواتها وروائحها وحركات قاطنيها.

وبعد أن أصنع هذا الفيلم الذهني، يمكنني أن أكرر مشاهدته مرة ومرتين وثلاثا. ومع تكرار الاستدعاء تصبح الصور والأفكار أكثر رسوخا في الذاكرة، ويصبح استحضارها أسهل عندما أحتاج إليها.

وهنا لا يعود النص مجرد كلمات قرأتها، وإنما يصبح فيلما مكتمل الأركان له سيناريو وحوار، ويحمل مجموعة من الأفكار التي يمكن العودة إليها في أي وقت.

ثانيا: الحوار الداخلي

وأنا أقرأ، لا أكتفي بالسؤال: ماذا يقول الكاتب؟ وإنما أسأل أيضا: ماذا يعني هذا الكلام بالنسبة إلي؟

أطرح على نفسي أسئلة مثل:هل هذه الفكرة صحيحة؟ هل تنطبق عليّ؟ كيف يمكن أن تؤثر في حياتي؟ هل مررت بتجربة تشبهها؟ هل أعرف أشخاصًا يحملون هذه الأفكار؟ وهل يمكنني أن أجرب ما يقترحه الكاتب؟

هنا لا أكون مجرد قارئ يستقبل النص، وإنما أصبح طرفًا في حوار داخلي معه. وقد يكون هذا الحوار متفقا مع الكاتب، أو مخالفا له، وقد يكون مجرد محاولة لفهم الفكرة من زاوية أخرى.

ثالثا: الحوار الهامشي

بعد أن يختمر الحوار داخل ذهني، أنقله إلى هامش الكتاب. أمسك القلم وأكتب: هذه العبارة مهمة. هذه الفكرة أعجبتني. هذه الفكرة تحتاج إلى مراجعة. هنا سؤال خطر في بالي. هنا أختلف مع الكاتب. وهنا أريد أن أربط فكرة الكاتب بتجربة عشتها.

وبذلك يصبح هامش الكتاب مساحة أخرى للحوار؛ حوارا بيني وبين النص، أو بيني وبين الكاتب، ولكن هذه المرة بالقلم وعلى صفحات الكتاب.

عندما أعود إلى الكتاب بعد مدة، لا أجد النص الأصلي وحده، بل أجد أيضا أثر قراءتي له: أسئلتي، وملاحظاتي، وأفكاري، ومواطن الاتفاق والاختلاف.

رابعا: الحوار الثنائي أو الجماعي

بعد أن أحاور نفسي وأحاور النص، أنتقل إلى الحوار مع الآخرين. يمكن أن أحمل الكتاب إلى صديق قرأه، لنتناقش في أفكاره. يمكن أن يكون الحوار ثنائيا مع شخص آخر، أو جماعيا داخل نادٍ للقراءة أو مجموعة قرائية.

هنا تنتقل أفكار الكتاب من ذهني وهامشه إلى مساحة أوسع: مساحة الحوار مع الآخرين. وقد أكتشف، أثناء النقاش، أنني فهمت فكرة بطريقة مختلفة، أو أن قارئا آخر رأى في النص ما لم أنتبه إليه، أو أن اختلاف القراءات يفتح أمامنا معنى جديدا للنص.

خامسا: إثارة حوار مع قراء جدد

وهذه المرحلة تأتي بعد انتهاء القراءة. يمكن أن أكتب عن الكتاب: مراجعة، أو مقالا نقديا، أو حتى نصا أشارك فيه أي انطباع لي عن الكتاب. عندما أنشر ما خرجت به من الكتاب، فأنا لا أنهي الحوار، وإنما أبدأ حوارا جديدا مع قرّاء لم يقرأوا الكتاب بعد.

وهكذا لا تتوقف القراءة عند علاقتي الخاصة بالكتاب، وإنما يمكن أن تتحول إلى تجربة معرفية مشتركة، ينتقل فيها ما قرأته إلى آخرين، ويعود إليّ منهم في صورة أسئلة وأفكار وقراءات جديدة.

من القراءة إلى الأثر

إذن، تقوم القراءة الحوارية على خمسة مستويات مترابطة:

1.    إعداد تصوير وحوار سينمائي ذهني: القراءة السينمائية.

2.    الحوار الداخلي مع الأفكار.

3.    الحوار الهامشي: تدوين الملاحظات والأسئلة على هامش الكتاب.

4.    الحوار مع الآخرين، فرديا أو جماعيا.

5.    الكتابة عن الكتاب وإثارة حوار جديد مع قراء آخرين.

وهذه المراحل ليست قواعد إلزامية يجب على كل قارئ أن يتبعها بالطريقة نفسها، وإنما هي طريقة أقترحها لتكون القراءة أكثر حضورا في الذاكرة وأكثر فاعلية في حياة القارئ.

بالنسبة إليّ، القراءة الفاعلة ليست مجرد أن أنهي كتابا لأضعه على الرف، وإنما أن يترك هذا الكتاب أثرا ما في داخلي: فكرة جديدة، أو سؤالا، أو إحساسا، أو معرفة تساعدني على النظر إلى نفسي والعالم بطريقة مختلفة.

ومن هنا تأتي "القراءة الحواري": أن أقرأ، ثم أحول النص إلى صوت وصورة، وأحاور نفسي، وأدوّن على الهامش، وأناقش مع الآخرين، وأكتب عن النص؛ حتى لا يبقى الكتاب على الرف، ولا تبقى أفكاره عابرة في ذاكرتي، وإنما تتحول القراءة إلى تجربة ذات أثر.

لعل هذا هو المعنى الأعمق للاحتفاء بالقراءة: ألا نحتفي بعدد الكتب التي قرأناها فحسب، بل بالأثر الذي أحدثته هذه الكتب في حياتنا.