ثمة عبارة شائعة تقول: «لا تحكم على الكتاب من غلافه»، ولعلها لا تنطبق على شيء في هذه الحياة بقدر ما تنطبق على الإنسان.

فالانطباع الأول الذي يتكوّن لدينا عن شخص ما قد يبدو، في لحظته، كأنه حقيقة مكتملة؛ نظرة عابرة، كلمة قاسية، طريقة حديث، أو موقف لم نفهم أسبابه، ثم نبني فوقه صورة كاملة لإنسان لا نعرف عنه إلا دقائق قليلة من حياته.

نحن، في كثير من الأحيان، لا نحكم على الإنسان كما هو، بل نحكم عليه كما ظهر لنا في اللحظة التي التقيناه فيها. وهنا تكمن المشكلة.

قد نلتقي شخصًا في يوم سيئ فنظنه سيئًا؛ نراه غاضبًا فنصفه بالمتكبر، أو صامتًا فنحسبه متعاليًا، أو مرتبكًا فنظنه ضعيفًا، أو فظًا فنقرر أنه سيئ الطبع. لكننا قد لا نعرف أن هذا الإنسان تلقى قبل دقائق خبرًا هزّ حياته، أو يعيش قلقًا لا يخبر به أحدًا، أو يعاني مرضًا ينهك جسده، أو فقد عمله، أو أثقلت ظروفه المالية روحه، أو يخوض معركة داخلية لا يستطيع شرحها حتى لأقرب الناس إليه.

نحن نرى السلوك، ولا نرى دائمًا القصة التي صنعت السلوك.

ومن هنا تناول علم النفس الاجتماعي إحدى المعضلات التي تعرف بـ «خطأ الإسناد الأساسي»؛ إذ يميل الإنسان إلى تفسير تصرفات الآخرين بصفاتهم وشخصياتهم، بينما يتجاهل الظروف المحيطة بهم. فإذا تأخر شخص عن موعد، قلنا: «إنه مهمل»، بينما إذا تأخرنا نحن قلنا: «كانت هناك ظروف خارجة عن إرادتنا».

وكأننا نمنح أنفسنا حقّ الظروف، ونمنح الآخرين حكم الشخصية.

ويتصل بذلك ما يلفت إليه دانيال كانيمان في أبحاثه حول التفكير السريع والبطيء؛ فالعقل البشري قادر على إصدار أحكام سريعة قبل أن يمنح نفسه الوقت الكافي للتأمل والتحليل. ولهذا قد تكون مشاعرنا أسرع من عدالتنا، وانطباعاتنا أسرع من معرفتنا.

لذلك ليس كل ما نشعر به حقيقة، وليس كل انطباع أولي حقيقة نهائية. قد تشعر بالنفور من شخص منذ اللقاء الأول، لكن النفور ليس دليلًا على سوء صاحبه. وقد ترتاح إلى إنسان من اللحظة الأولى، لكن الراحة ليست شهادة حسن سيرة وسلوك.

وتكشف لنا التجربة وحدها كم نحن أحيانًا أسرى لانطباعاتنا الأولى. فكم من شخص لم نحبه في البداية، ثم اكتشفنا فيه بعد الأيام صديقًا عزيزًا وإنسانًا نادرًا؟ وكم من شخص منحناه ثقتنا بسهولة، ثم اكتشفنا مع الوقت أن وراء ابتسامته شيئًا آخر، وأن الصورة الجميلة التي رسمناها عنه لم تكن سوى غلاف؟

لهذا لا ينبغي أن نمنح اللقاء الأول سلطة الحكم الأخير. فالإنسان ليس موقفًا واحدًا، ولا كلمة واحدة، ولا لحظة غضب، ولا يومًا سيئًا. إنه مجموعة من الأيام والظروف والخيبات والانتصارات والخوف والأمل والتجارب. وقد تكون اللحظة التي التقيته فيها واحدة من أسوأ لحظاته، بينما قررت أنت، من حيث لا تدري، أن تجعلها تعريفًا كاملًا لشخصيته.

وهذا ظلم.

ومع ذلك، فليس المطلوب أن نكون ساذجين، أو أن نمنح ثقتنا لكل أحد، أو أن نتجاهل الإشارات التي تستحق الحذر. فالحكمة لا تعني أن نلغي حدسنا، وإنما أن نعرف الفرق بين الحدس والحكم النهائي.

لذلك امنح الإنسان فرصة أخرى. راقب الفعل بعد الفعل، والموقف بعد الموقف، والوقت بعد الوقت؛ فالناس تكشفهم الأيام أكثر مما تكشفهم اللحظات.

وفي لحظة صفاء، حين تهدأ مشاعرنا ويصبح العقل أكثر عدلًا، ربما علينا أن نتذكر أن وراء كل إنسان قصة لا نعرفها، ومعركة قد لا نراها، وجراحًا يخفيها جيدًا. ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه في علاقاتنا مع الآخرين هو ألا نستعجل إصدار الأحكام.

التمس لأخيك عذرًا، لا لأن الناس جميعًا أبرياء، بل لأنك لا تعرف القصة كاملة.

فكم من إنسان ظلمناه لأننا رأيناه في أسوأ لحظاته، وكم من إنسان أحببناه لأننا صادفناه في أجملها.

وفي النهاية، قد لا تكون العدالة في أن نحكم على الناس بسرعة، وإنما في أن نمنحهم الوقت الكافي ليظهروا لنا من يكونون حقًا.

فالإنسان أعمق من انطباع، وأكبر من موقف، وأوسع من لحظة.

ولا تجعل لقاءً عابرًا يختصر لك إنسانًا كاملًا.