د. حازم قشوع

حين يصل المغرب إلى محطة سياسية جديدة، فإن الحدث لا يُقرأ من زاوية الأشخاص وحدها، وإنما من خلال ما تحمله المرحلة من تحولات وما تفتحه من مسارات. ولعل اختيار فاطمة الزهراء المنصوري لرئاسة الحكومة المغربية يمثل إحدى أبرز هذه التحولات، ليس فقط لأنها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة، وإنما لأنها تأتي من صدارة حزب الأصالة والمعاصرة الذي تصدر الانتخابات التشريعية بـ97 مقعداً من أصل 395 مقعداً، في خريطة سياسية أعادت ترتيب موازين القوى داخل البرلمان. وقد عيّنها الملك محمد السادس في 29 أيلول 2026 رئيسة للحكومة، وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة.

والمفارقة اللافتة أن الولايات المتحدة التى كانت المغرب من اوائل الدول التى اعترفت بها لم تتمكن من إيصال هيلاري كلينتون ثم كامالا هاريس إلى البيت الأبيض، بينما يصل المغرب اليوم إلى هذه المحطة من خلال فاطمة الزهراء المنصوري، في صورة سياسية مختلفة تعكس اختلاف النظم والمسارات، وتؤكد اتساع حضور المرأة في مواقع القرار العربية 
لكن أهمية المنصوري لا تقف عند رمزية الوصول، فهي تمثل حزباً وطيفاً سياسياً، وتحمل معها برنامج حزب الأصالة والمعاصرة الذي تقدم به للانتخابات، والقائم على خمسة مواثيق تتصل بالتضخم، وإدماج الشباب، والمواطنة، والأمان الاستراتيجي، والنمو والاستدامة، ويتضمن عشرين برنامجا قابلاً للتطبيق ، بكلفة إجمالية تبلغ 35 مليار دولار على مدى خمس سنوات، مع استهداف خلق مليون فرصة عمل جديدة .

وهى الرؤية تضع الحكومة المقبلة أمام ملفات كبيرة، في مقدمتها استضافة المغرب لكأس العالم 2030، وما يحمله 
ذلك من مشاريع وبنية تحتية وفرص اقتصادية وتشغيلية، إلى جانب ملفات الصحة والتعليم والسكن والحماية الاجتماعية وإدماج الشباب. كما يطرح البرنامج الأمان الاستراتيجي في مجالات الماء والطاقة والغذاء، ويولي اقتصاد المعرفة والرقمنة أهمية واضحة، بما يجعل التنمية جزءاً من هندسة الدولة وليس مجرد استجابة للواقع اليومي. ويضع البرنامج ضمن مكونات التشغيل قطاعات ترتبط بكأس العالم والاقتصاد المعرفي والصناعة والزراعة والاقتصاد الرياضي.

وفي ملف وحدة التراب الوطني، تكتسب التنمية الترابية أهمية خاصة، باعتبارها مساراً يجمع بين تثبيت الحضور الوطني وتعزيز التنمية في مختلف جهات المملكة، بما فيها الأقاليم الجنوبية. وهنا تلتقي السياسة بالتنمية، بحيث تصبح المدرسة والمستشفى والبنية التحتية وفرص العمل أدوات لبناء المجال وتعزيز اندماجه في المشروع الوطني عبر نموذج اللامركزيه .

أما الحكومة المقبلة، فلن تكون حكومة حزب واحد، لأن الأصالة والمعاصرة، رغم تصدره الانتخابات، لا يمتلك الأغلبية بمفرده. وقد أفرزت الانتخابات التشريعية خريطة برلمانية متعددة القوى، ما يجعل تشكيل الحكومة قائماً على المشاورات وبناء ائتلاف قادر على توفير الأغلبية وحمل البرنامج التنفيذي. ومن هنا فإن السؤال المغربي لا يتعلق فقط بمن يدخل الحكومة، وإنما بأي صيغة سياسية وبرنامجية ستُبنى الحكومة الجديدة.

وهو انجاز يسجل فى سجل انجازات للملك محمد السادس العديدة عبر الاستمرار بالنهج الانتخابي وتطوير الحياة الحزبية والبرلمانية ضمن مسار الدولة المغربية، بما أتاح إعادة تشكيل الخريطة السياسية عبر المؤسسات الحزبية، وفتح المجال أمام وجوه وتجارب جديدة للوصول إلى مواقع القرار. وتكتسب هذه التجربة أهمية أكبر وهي تجري في إقليم شمال أفريقيا الذى  يعيش تحديات سياسية وأمنية واقتصادية كبيرة، بما يجعل استمرار البناء المؤسساتي والحياة البرلمانية والحزبية أحد عناصر الاستقرار السياسي.

فإن فاطمة الزهراء المنصوري لا تدخل رئاسة الحكومة باعتبارها امرأة فقط، وإنما باعتبارها عنواناً لمرحلة سياسية جديدة، تحمل برنامجاً حزبياً وطيفاً سياسياً، وتواجه ملفات كبيرة تبدأ بالمونديال ولا تنتهي بالتنمية الاجتماعية ووحدة التراب الوطني. وسيكون الاختبار الحقيقي في قدرة الحكومة المقبلة على تحويل البرنامج الانتخابي إلى برنامج حكومي، وتحويل الاستحقاقات الكبرى إلى روافع للتنمية، وربط التنمية الوطنية بملفات الصحة والتعليم والتشغيل والاستثمار.

وفي هذا السياق، تبدو التجربة المغربية ذات صلة بالمسار الأردني؛ فالأردن يشارك المغرب تجربته ومنجزاته في الحياة البرلمانية والحزبية، ويتطلع إلى مزيد من الإنجازات التي ترسخ قيم المواطنة وتوسع المشاركة السياسية. وهو النهج الذي أراده الملك عبدالله الثاني لمسيرة التحديث السياسي، من خلال الانتقال إلى حياة حزبية برامجية، وتمكين المرأة والشباب، وصولاً إلى برلمانات أكثر حزبية وحكومات تقوم على الأغلبية أو ائتلافات الأغلبية، ضمن مسار إصلاحي يمتد لعشر سنوات. وقد حدد مسار التحديث السياسي تدرجاً زمنياً في زيادة الحضور الحزبي في مجلس النواب وصولاً إلى مرحلة يمكن فيها للأغلبية الحزبية أو ائتلاف أحزاب الأغلبية تشكيل الحكومة.

وهو نهج يقوم في جوهره على تجسيد قيم المواطنة التشاركية وترسيخها، بحيث تصبح المشاركة السياسية حقاً متاحاً لجميع أبناء المجتمع، ويصبح تمكين المرأة من مواقع القيادة جزءاً من تطور الحياة العامة لا مجرد حضور رمزي. فالمواطنة لا تقوم على التمييز بين أبناء المجتمع الواحد، وإنما على المساواة في الحقوق والواجبات، وتكافؤ الفرص، وإتاحة المجال أمام الكفاءة الوطنية للمشاركة في صناعة القرار وخدمة الدولة والمجتمع.

من هذا الباب تلتقي التجربتان المغربية والأردنية عند قيمة أساسية، هي أن تطوير الحياة السياسية لا يقاس فقط بتغيير الحكومات أو زيادة عدد الأحزاب، وإنما بقدرتها على ترسيخ المواطنة، وتوسيع المشاركة، وبناء حياة حزبية برامجية، وإتاحة المجال أمام المرأة والرجل معاً للمشاركة في صناعة المستقبل....فالمغرب اليوم يفتح صفحة سياسية جديدة مع فاطمة الزهراء المنصوري، والأردن يمضي في مسار تحديث سياسي يمتد لعقد كامل، وبين التجربتين تتأكد حقيقة أن بناء الدولة الحديثة يبدأ من الإنسان وتنتهى فى بناء حواضن المجتمع وحواضر بيت القرار عبر المواطنة التى حين تصبح ممارسة سياسية ومؤسسية، فإنها ترتقي بقيم المجتمع الى علا منزله وتمنح الدولة قدرة أكبر على مواجهة تحديات رسالة البناء والتطوير .