تتصاعد التساؤلات في الشارع المصري حول التباين الملحوظ بين التقارير الدولية الايجابية التي تشيد بمتانة الاقتصاد المحلي وبين الاداء الفعلي للعملة الوطنية التي تواجه ضغوطا مستمرة امام الدولار. وتأتي هذه الحيرة في وقت رفعت فيه مؤسسة موديز تصنيف مصر الائتماني الى درجة B3 مع نظرة مستقبلية ايجابية وهو ما اعتبرته الجهات الرسمية شهادة ثقة في مسار الاصلاحات الهيكلية وقدرة الدولة على امتصاص الصدمات العالمية.
واوضحت وزارة المالية ان هذا التحسن في التصنيف يستند الى معايير ملموسة ابرزها تراجع نسبة الدين العام الى الناتج المحلي الاجمالي وارتفاع الاحتياطيات الدولية الى مستويات قياسية تجاوزت 57 مليار دولار. واكدت ان هذه المؤشرات تعكس استراتيجية الدولة في تنويع مصادر الايرادات الضريبية دون تحميل المواطنين اعباء اضافية مع التركيز على تحسين بيئة الاستثمار لتعزيز الانتاج المحلي.
واضافت الحكومة ان اولوياتها في المرحلة الراهنة تتمثل في خفض تكلفة خدمة الدين العام وتوفير مساحة مالية تتيح توجيه الانفاق نحو قطاعات الحماية الاجتماعية والصحة والتعليم. وبينت ان الخطوات الجارية تهدف الى خلق استقرار مالي طويل الامد يضمن استدامة النمو الاقتصادي بعيدا عن التقلبات الحادة التي قد تواجه الاسواق الناشئة في ظل الاضطرابات الجيوسياسية.
لماذا لا يلمس المواطن اثر التصنيفات الايجابية على العملة
وبينما تتحدث التقارير عن استقرار الاقتصاد يلاحظ المتعاملون في الاسواق استمرار تذبذب سعر صرف الجنيه امام الدولار الذي سجل مستويات مرتفعة متأثرا بعوامل العرض والطلب. واشار خبراء اقتصاد الى ان سياسة البنك المركزي المصري الحالية لا تستهدف تثبيت سعر الصرف بشكل مباشر بل تركز بشكل اساسي على كبح معدلات التضخم وحماية الاحتياطيات النقدية من الاستنزاف.
وكشف محللون ان مرونة سعر الصرف ساهمت في تعزيز التدفقات النقدية الاجنبية وارتفاع تحويلات المصريين بالخارج التي بلغت ارقاما غير مسبوقة خلال العام الجاري. واظهرت البيانات الرسمية ان صافي الاصول الاجنبية لدى القطاع المصرفي سجل افضل مستوياته منذ سنوات مما يعزز من قدرة البنك المركزي على ادارة السياسة النقدية بفعالية اكبر في مواجهة التحديات الخارجية.
وشدد خبراء على ان التصنيفات الائتمانية تختلف في جوهرها عن سعر الصرف اليومي حيث تهتم المؤسسات الدولية بقياس مدى قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها وتجنب مخاطر التعثر. واكدوا ان استقرار الاقتصاد الكلي الذي تروج له المؤسسات الدولية هو خطوة ضرورية لجذب الاستثمارات الاجنبية المباشرة التي تعد المحرك الرئيسي لخلق فرص عمل جديدة وتحسين مستوى المعيشة على المدى الطويل.
عوامل السوق الحقيقية وتأثيرها على الجنيه
واوضح مختصون ان سعر الجنيه يتأثر في المقام الاول بالوفرة الدولارية الفعلية داخل السوق وليس فقط بحجم الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي. واشاروا الى ان زيادة الطلب على العملة الصعبة لتغطية الاعتمادات الاستيرادية وتلبية احتياجات القطاعات الانتاجية تظل العامل الحاسم في تحديد القيمة السوقية للعملة الوطنية مقابل الدولار.
واضاف محللون ان استقرار الجنيه يتطلب استمرارية تدفقات النقد الاجنبي من الصادرات والسياحة وقناة السويس بجانب الاستثمارات المباشرة لضمان توازن دائم في ميزان المدفوعات. وكشفت التحليلات ان الفترة المقبلة قد تشهد تحسنا تدريجيا في وضع العملة مع استمرار تحسن المؤشرات الكلية للاقتصاد وانخفاض معدلات التضخم التي تعد العدو الاول لاستقرار العملات المحلية.
واختتم خبراء ان الوصول الى سعر صرف عادل للجنيه مرهون بقدرة الدولة على زيادة الانتاجية المحلية وتقليل الاعتماد على الاستيراد وهو ما تعمل عليه الحكومة حاليا عبر حزمة من الحوافز للمستثمرين الصناعيين. وبينوا ان التناغم بين السياسة النقدية والاصلاحات الهيكلية سيؤدي في النهاية الى انكماش الفجوة بين التصنيفات الدولية والواقع المعيشي للمواطنين.
