تتحول حقول الزيتون في الضفة الغربية خلال موسم القطاف الحالي الى ساحة مواجهة مفتوحة بين المزارعين الفلسطينيين من جهة وبين جنود الاحتلال والمستوطنين من جهة اخرى، حيث تتعدد اشكال التضييق التي تبدا من منع الوصول الى الاشجار وتصل الى حد اقتلاعها وتدمير المحصول بالكامل. واظهرت ارقام حديثة صادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان تسجيل اكثر من مئة وست وثلاثين واقعة اعتداء خلال الايام الاثني عشر الاولى من شهر اكتوبر الحالي، مما يعكس حجم الضغوط الممنهجة التي تهدف الى دفع المزارعين لهجر اراضيهم وتركها فريسة سهلة للاطماع الاستيطانية المتزايدة.

وكشفت التقارير الميدانية ان الحرب على الزيتون لا تقتصر على الهجمات العشوائية، بل تستند الى غطاء عسكري يوفر الحماية للمستوطنين ويشرعن عمليات التجريف، وبينت المعطيات ان السلطات الاسرائيلية اصدرت منذ بداية العام عشرات الاوامر العسكرية التي تستهدف ازالة الغطاء النباتي واقتلاع الاشجار بذريعة حماية اراضي الدولة، واكد مزارعون في مناطق متفرقة مثل رنتيس ان المنع المتكرر من الوصول الى حقولهم ادى الى تدهور حالة الاشجار وتراجع انتاجيتها، مما خلق فجوة عميقة بين ملكيتهم القانونية للارض وبين قدرتهم الفعلية على استغلالها او العناية بها.

واوضح مكتب الامم المتحدة لتنسيق الشؤون الانسانية في تقريره الاخير ان قيود الحركة وسرقة المحاصيل وتدمير الاشجار تعد من ابرز التحديات التي تواجه الاسر الزراعية، واشار الى ان هذه الممارسات لا تمثل مجرد خسارة اقتصادية موسمية، بل هي جزء من استراتيجية طويلة الامد لتقويض الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة جيم، واضاف المزارعون ان هذا الحصار يتركهم في حالة من العجز حيث تظل الارض مسجلة باسمائهم ولكنها عمليا خارج نطاق سيطرتهم اليومية.

الغطاء الديني والسياسي للاعتداءات

وظهرت خلال الايام الماضية فتاوى مثيرة للجدل حاولت توفير غطاء ديني لعمليات سرقة المحصول، حيث اعاد حاخامات متطرفون احياء مزاعم قديمة تبيح للمستوطنين قطف الزيتون من البساتين الفلسطينية بادعاءات دينية واهية، وشدد خبراء على ان هذه الفتاوى تهدف الى تحريض المستوطنين على تصعيد اعتداءاتهم تحت غطاء ايديولوجي، ورغم وجود اصوات حاخامية معارضة لهذه التوجهات الا ان الخطاب العام يميل نحو شرعنة هذه الممارسات وربطها بمزاعم الملكية التاريخية المزعومة للارض.

وكشفت التطورات الاخيرة ان الجانب السياسي لا يقل خطورة عن الجانب الميداني، حيث ربط مسؤولون في حكومة الاحتلال بين اقتلاع الاشجار وبين تنفيذ مشاريع استيطانية توسعية، واكدت تقارير ان عمليات التجريف التي شهدتها مناطق قرب مستوطنات مثل شاكيد جاءت بهدف اقامة مناطق صناعية وبؤر جديدة، وبينت ان تدمير الاف الاشجار لم يكن صدفة بل كان خطوة مدروسة لافساح المجال امام التوسع العمراني الاستيطاني على حساب الاراضي الفلسطينية الخصبة.

واكد الباحثون في شؤون الاستيطان ان ما يجري هو مشروع متكامل يجمع بين الطرق الالتفافية وتوسيع المستوطنات والسيطرة على الموارد الطبيعية، واضافوا ان المزارع الفلسطيني يجد نفسه اليوم امام خيار صعب بين التمسك بارضه رغم المخاطر او الخضوع لسياسة الامر الواقع، وشددوا على ان الهدف النهائي من هذه الحرب هو تحويل المزارع الى غريب في حقله، بحيث لا يتبقى له سوى صكوك ملكية ورقية لا تسمن ولا تغني من جوع في ظل غياب القدرة على الوصول والزراعة.