تجد الحكومة الفرنسية نفسها عالقة في خضم مواجهة مزدوجة تضغط على استقرارها السياسي والاقتصادي، حيث تتزامن موجة من الاحتجاجات العنيفة في الشوارع مع اقتراب موعد حاسم لمناقشة مشروع الموازنة الجديد في البرلمان. وتسعى السلطات الى خفض العجز المالي عبر اجراءات تقشفية تصل قيمتها الى 43 مليار يورو، وسط مخاوف متزايدة من ان يؤدي هذا المسار الى تفاقم الاحتقان الشعبي الذي شهد اعتقال الالاف وتخريب مئات المتاجر خلال الايام الماضية.
وكشفت تقارير السوق عن تراجع ملموس في اداء المؤشرات المالية الفرنسية، حيث انخفض مؤشر كاك 40 وهبط اليورو امام الدولار بشكل لافت. وبينت البيانات ان عوائد السندات الفرنسية لاجل عشر سنوات قد ارتفعت بشكل مقلق، مما يعكس حالة عدم اليقين لدى المستثمرين الذين يطالبون بعوائد اعلى مقابل تحمل مخاطر الدين السيادي في ظل غياب الاستقرار السياسي.
واوضحت التحليلات ان اتساع الفارق بين السندات الفرنسية والالمانية يشير الى قلق عميق في اوساط المستثمرين من قدرة باريس على السيطرة على الانفاق العام. واضاف الخبراء ان استمرار الاضطرابات الاجتماعية قد يعيق المكاسب الاقتصادية المحدودة التي حققتها السوق مؤخرا، مما يضع الحكومة في مأزق حقيقي بين ارضاء الاسواق المالية وتجنب الانفجار الاجتماعي.
تحديات البرلمان واختبار الثقة
وبين رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو ان المهمة الملقاة على عاتق حكومته صعبة للغاية، خاصة مع افتقادها لأغلبية برلمانية مريحة تضمن تمرير خطة الموازنة بسلاسة. واكدت قوى المعارضة، وعلى رأسها الحزب الاشتراكي، نيتها عرقلة الشق المتعلق بالايرادات، معتبرة ان الاجراءات المقترحة تفرض اعباء غير محتملة على الاسر في قطاعات الصحة والمعاشات التقاعدية.
وشدد وزير الحسابات العامة ديفيد امييل على ضرورة التعامل بواقعية مع اسعار الفائدة المرتفعة، مشيرا الى ان تجاهل اصلاح المالية العامة لم يعد خيارا متاحا. واضاف ان الحكومة قد تضطر لاستخدام صلاحيات دستورية استثنائية لتمرير الموازنة في حال فشلت المفاوضات، وهو اجراء يخشى المراقبون ان يؤدي الى تأجيج الشارع مجددا.
واشار محللون الى ان السيناريو الحالي يعيد للاذهان ازمات سابقة مرتبطة باصلاحات المعاشات، حيث ادى التشدد الحكومي الى احتجاجات واسعة النطاق. واكدت التقديرات ان اي خطوة غير محسوبة قد تزيد من عزلة الحكومة وتضعف موقفها في مواجهة التكتلات البرلمانية المعارضة التي ترفض سياسات التقشف الحالية.
تداعيات الازمة على منطقة اليورو
وكشفت مراكز الدراسات الاقتصادية ان التوتر في فرنسا لم يعد شأنا داخليا فحسب، بل اصبح مصدرا للقلق في عموم منطقة اليورو. واظهرت المؤشرات ان المستثمرين يراقبون عن كثب مدى قدرة باريس على احتواء الازمة لمنع انتقال العدوى المالية الى دول اخرى تعاني من مستويات دين مرتفعة، مما قد يرفع تكاليف الاقتراض على مستوى القارة الاوروبية.
واضاف الخبراء ان تراجع الثقة في الاستقرار السياسي الفرنسي بالتزامن مع ارتفاع اسعار الطاقة يضع ضغوطا اضافية على العملة الاوروبية الموحدة. وبينت التوقعات ان استمرار هذه الضغوط سيجعل من الصعب على صناع القرار الموازنة بين متطلبات النمو الاقتصادي وضبط الانفاق العام في بيئة دولية متقلبة.
واختتم المحللون تحليلهم بالاشارة الى ان الاسابيع المقبلة ستكون مفصلية، حيث ستتضح معالم قدرة الحكومة على التوفيق بين خفض العجز لارضاء الاسواق وتفادي الانفجار الاجتماعي. واكدوا ان نجاح هذه المهمة يتوقف على مدى مرونة الحكومة في اجراء تسويات سياسية كفيلة بامتصاص غضب الشارع وتجنب شلل المؤسسات التشريعية.
