سجلت الاسواق المالية الفرنسية حالة من التوتر الشديد بعد ان قفز الفارق بين عائد السندات الحكومية الفرنسية ونظيرتها الالمانية الى اعلى مستوياته منذ اكثر من عقد ونصف. وجاء هذا الارتفاع الحاد مدفوعا بمخاوف المستثمرين المتزايدة حول قدرة باريس على ضبط ماليتها العامة في ظل احتجاجات شعبية مستمرة وضغوط اقتصادية متصاعدة. وتنعكس هذه البيانات حالة من عدم اليقين التي تسيطر على المشهد الاقتصادي الاوروبي وسط تساؤلات حول استقرار الديون السيادية.

واظهرت المؤشرات المالية ان عائد السندات الفرنسية القياسية لاجل عشر سنوات شهد صعودا لافتا بمقدار ست نقاط اساس، مما دفع علاوة المخاطر الى مستويات غير مسبوقة منذ ازمة الديون السيادية التي ضربت منطقة اليورو سابقا. واكد خبراء اقتصاديون ان هذا التوجه يعكس تراجعا في ثقة المستثمرين الذين باتوا يفضلون الملاذات الامنة كالسندات الالمانية بدلا من الانكشاف على الديون الفرنسية التي تواجه تحديات هيكلية.

وبينت التحليلات ان الضغوط لم تقتصر على فرنسا وحدها بل امتدت لتشمل اسواق السندات في بلجيكا وايطاليا واسبانيا واليونان، حيث شهدت جميعها اتساعا في فوارق العوائد مقارنة بالمعيار الالماني. واضافت هذه المعطيات مزيدا من التعقيد للمشهد الاقتصادي في منطقة اليورو التي تعاني اصلا من ضغوط التضخم وتوقعات تشديد السياسات النقدية من قبل البنك المركزي الاوروبي.

تداعيات الضبابية السياسية على تكاليف الاقتراض

وكشفت التطورات الاخيرة ان حالة الضبابية المحيطة بالانتخابات المقبلة في فرنسا والصعوبات التي تواجهها الحكومة في تمرير الموازنة العامة قد فاقمت من مخاوف الاسواق. واوضحت البيانات ان تكاليف الاقتراض ارتفعت بشكل ملحوظ بالتزامن مع صعود اسعار الطاقة التي دفعت البنك المركزي الاوروبي نحو تبني مسار اكثر تشددا في اسعار الفائدة لمحاربة التضخم المستشري.

واكدت الخبيرة الاقتصادية جيادا جياني ان المؤسسات الاوروبية اليوم اكثر قدرة على التعامل مع الازمات مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات طويلة، الا ان عودة النزعة المشككة في جدوى الوحدة الاوروبية تظل عائقا حقيقيا امام تنسيق استجابة قوية. واشارت الى ان الفوارق الحالية تختلف في جوهرها عن ازمات الماضي لكنها تظل مؤشرا مقلقا على تدهور الثقة.

وشددت التقارير على ان رهانات الاسواق حول مسار اسعار الفائدة لا تزال متذبذبة، حيث يتوقع المستثمرون زيادات متتالية في الفائدة لترويض الاسعار. واضافت المعطيات ان العقود الاجلة للنفط والغاز لا تزال تحوم حول مستويات مرتفعة، مما يزيد من الضغوط التضخمية ويجعل من مهمة البنك المركزي الاوروبي في تحقيق توازن دقيق بين النمو والسيطرة على الاسعار مهمة بالغة الصعوبة.