سعيد الصالحي
عندما كنت شابًا يافعًا، دعاني أحد الأصدقاء إلى رحلة صيد. ركبنا السيارة، وما إن تجاوزنا الطريق المعبّد حتى بدأت تقطع التلال برشاقة راحلة متمرّسة، بينما كنا نهتز في المقعد الخلفي كأننا في هودج. وبعد رحلة لم تخلُ من المطبات والاهتزازات، وصلت الراحلة، أقصد السيارة، إلى حرش جميل كثيف الأشجار، اسمه وحده كفيل ببث الرعب في النفوس؛ حرش الغولة. ولم أكن أعرف إن كانت الغولة تسكنه فعلًا، لكنني كنت على وشك اكتشاف أن في الحرش مخلوقًا آخر يستطيع أن يعبث بأعصاب الرجال.
أنزل السائق معدات الصيد، وبدأ يشرح لي كيفية استخدام بندقية الصيد. كانت تجربتي الأولى في هذا العالم، وكنت أتطلع إلى العودة منها بما يجعلني صيادًا جديرًا بالاحترام، أو على الأقل صاحب حكاية تصلح لأن تُروى. وعندما بدأ الدرس العملي، قفز أمامنا ثعلب بلدي جميل، واسع العينين، مغبرّ الفرو، رشيق القوام. وقف على بعد أمتار قليلة من فوهة البندقية، كأنه لم يسمع يومًا عن البشر وما يفعلونه بالكائنات التي تقع في مرمى أسلحتهم.
كانت فرصة مثالية لاقتناصه، والحصول على ميدالية ذهبية في الصيد من أول مشاركة برية لي. صمت الصيادون، وراح صديقي يربت على كتفي استعدادًا لإطلاق رصاصة الفوز بالصيد الثمين. ولم يكن ينقص المشهد سوى مصوّر يلتقط لي صورة إلى جوار غنيمتي، ثم صحفي يسألني عن شعوري بعد هذا الإنجاز التاريخي.
وضعت سبابتي على الزناد، وبدأت أتخيل الثعلب محنطًا في غرفة الضيوف، وكيف سأروي لكل زائر قصة اصطياده، وأضيف إليها، مع مرور الوقت، بعض التفاصيل التي تجعلني أكثر براعة وأقل ارتباكًا. فالحكايات التي نرويها عن أنفسنا لا تبقى دائمًا على الصورة التي وقعت بها، وبعضها يحتاج إلى قليل من الترميم حتى يصبح جديرًا بالتصديق.
لكن الثعلب لم يكن قد قرأ السيناريو الذي أعددته له. ظل واقفًا في مكانه، ينظر إلينا بعينيه الواسعتين، وكأنه يراهن على طيبة قلب استشعرها وآمن بها، فأمِن. أما أنا، فقد وجدت نفسي أمام مشكلة لم يتطرق إليها درس استخدام البندقية: كيف أطلق النار على كائن ينظر إليّ بهذه الطريقة؟ حاولت أن أثير بعض الجلبة لعله يهرب، فأرتاح من الحرج وأكتفي بتقريع رفاقي لي، وخصوصًا عبد البديع، الذي لا يخطئ فرصة للتعليق، ولا يترك حادثة تمر من دون أن يضيف إليها ما يجعل صاحبها يتمنى لو أنها لم تقع.
غير أن الثعلب لم يهرب، وكأنه قرر أن يختبر قدرتي على الصمود أمام نظراته، فيما تحوّل تربيت صديقي على كتفي إلى ضربات متتالية تشير إلى أن صبره بدأ ينفد. عندها أدركت أنني محاصر من جهتين: ثعلب لا يريد أن يغادر مكانه، وصديق لا يريد أن أعود من الرحلة من دون غنيمة. وبينهما كنت أنا، الصياد الذي جاء ليتعلم كيف يصيب هدفه، فإذا به يبحث عن طريقة يخطئه بها.
أخذت نفسًا عميقًا، وأطلقت الرصاصة بعيدًا عن الثعلب. دوّى صوت البندقية في الحرش، وفرّ مذعورًا بين الأشجار، تاركًا خلفه صيادًا خائبًا في نظر رفاقه، وربما منتصرًا في نظر نفسه، وإن لم يكن قد امتلك الشجاعة الكافية للاعتراف بذلك في حينه.
تخيلت الثعلب وهو يبتعد مزهوًا بانتصاره، يلتفت بين الحين والآخر ليتأكد من أن ذلك الصياد الغبي لم يغيّر رأيه، وأنه استطاع، بنظراته الماكرة، أن يسقطه من دون أن يطلق عليه رصاصة واحدة. وربما لم يكن الثعلب قد فكّر في شيء من هذا كله، وربما كان يريد النجاة فحسب، لكنني أحببت أن أمنحه دورًا في الحكاية، فهو يستحق، في أقل تقدير، أن يكون بطلها، بعدما فشلت أنا في أن أكون بطل رحلة الصيد.
وما إن اختفى بين الأشجار حتى فتح عبد البديع إذاعته التي لا تتوقف عن البث، وبدأت التعليقات تنهال عليّ من كل جانب. أما أنا، فلم أسمع ما تفوّه به صديقي، أو لعلني سمعته ولم أشأ أن أمنحه شرف الوصول إلى أذني. أغمضت عينيّ، وأخذت أطبع صورة الثعلب الجميل والماكر في ذاكرتي، كأنني أخشى أن تسرقها مني الأيام.
ومنذ ذلك اليوم، تربع الثعلب على عرش حيواناتي المفضلة، ولم ينازعه أحد في مكانته سنوات طويلة، إلى أن ظهر غرابي في بنغلادش، وأزاحه عن العرش برفق وذكاء، على الطريقة التي أحبها في خصومي. ولعل الثعلب لم يخسر مكانته تمامًا؛ فهو ما زال يحتفظ بامتياز الأسبقية، وبحقه في أن يروي حكايته بطريقته، لو أتيح له أن يتحدث، بينما لا أملك أنا سوى روايتي، التي قد لا تخلو هي الأخرى من بعض الترميم.
لا أعرف إن كنت قد خسرت فرصة أن أصبح صيادًا ماهرًا في ذلك اليوم، لكنني أعرف أنني لم أندم على الرصاصة التي أطلقتها بعيدًا عن الثعلب. وربما لم أكن قد أنقذته بقدر ما أنقذت شيئًا في داخلي لم أكن أعرف اسمه آنذاك. كل ما أعرفه أنني ذهبت إلى حرش الغولة لأتعلم كيف أصطاد، وعدت منه بثعلب لم أصطده، وحكاية لم أستطع التخلص منها.
أما الثعلب، فلا بد أنه ما زال يروي لأبنائه وأحفاده حكاية ذلك الصياد الذي وقف أمامه ببندقية محشوة، ثم أطلق النار في الاتجاه الخطأ. وقد يكون قد بالغ قليلًا في وصف شجاعته، كما أفعل أنا حين أروي الحكاية، لكن لا بأس؛ فبعض الأكاذيب الصغيرة تحفظ للحياة شيئًا من جمالها، وبعض الانتصارات لا تحتاج إلى أن يموت أحد كي نحتفل بها.
