يمثل موسم قطاف الزيتون بالنسبة للفلسطينيين اكثر من مجرد عملية زراعية تقليدية، فهو عرس سنوي يلتئم فيه شمل العائلات ويشكل ركيزة اساسية لدعم الاقتصاد المنزلي وتأمين متطلبات الحياة الاساسية من بناء وترميم وتعليم. وتنتظر الاسر الفلسطينية هذا الموسم بشغف كبير ليكون عونا لها في ظل الظروف المعيشية الصعبة، حيث تعم الاجواء العائلية الدافئة بين اشجار الزيتون المباركة.

واظهرت التقديرات الاخيرة تغيرا جذريا في واقع هذا الموسم منذ اندلاع الحرب الاخيرة، حيث تحولت حقول الزيتون في مناطق الضفة الغربية الخاضعة للسيطرة الاسرائيلية الى ساحات للملاحقة والخوف. وبينما يعاني المزارعون في الضفة من اعتداءات المستوطنين المستمرة، يواجه قطاع غزة دمارا واسعا طال نحو تسعين بالمئة من اشجار الزيتون التي كانت تشكل موردا حيويا لسكان القطاع.

واكد خبراء زراعيون ومسؤولون في هيئات مقاومة الاستيطان ان الارقام الحالية ترسم صورة قاتمة لمستقبل هذا القطاع الحيوي، مشيرين الى ان التضييقات المتصاعدة والاعتداءات الممنهجة تسببت في تقلص المساحات المزروعة وتراجع الانتاج بشكل ملحوظ خلال الاعوام الاخيرة.

جدوى الزيتون الاقتصادية تحت التهديد

وبين فياض فياض مستشار المجلس الدولي للزيتون ان القطاع الزراعي يساهم بنسبة تتراوح بين ثلاثة واربعة بالمئة من الدخل القومي، حيث يستحوذ الزيتون على حصة هامة من الانتاج النباتي. واضاف ان نحو مئة الف اسرة فلسطينية تعتمد بشكل مباشر او غير مباشر على هذا الموسم لتأمين دخلها السنوي.

واوضح سمير سمارة المسؤول في وزارة الزراعة ان مدخول هذا القطاع يتأرجح بين مئات الملايين من الدولارات في المواسم الجيدة، لكنه يهبط بشكل حاد عند تعرض المحاصيل للتلف بسبب شح الامطار او ممارسات الاحتلال. واشار الى ان متوسط انتاج الزيت السنوي يواجه تحديات كبيرة في ظل تراجع القدرة على الوصول الى الحقول.

واضافت البيانات ان العائدات الاقتصادية للزيت تتوزع على عدة مسارات تشمل الاستهلاك المحلي، والاسواق الخليجية، والتصدير العالمي الى دول اوروبية وامريكية، مما يجعل من استمرار هذا القطاع ضرورة وطنية واقتصادية لا غنى عنها.

التوزيع الجغرافي وتآكل المساحات الزراعية

وكشفت المعطيات الميدانية ان نسبة الاراضي المزروعة بالزيتون في الضفة الغربية شهدت تراجعا ملحوظا، حيث كانت تشكل نحو اربعة وخمسين بالمئة من اجمالي الاراضي الزراعية قبل عام الفين وثلاثة وعشرين. واشار المختصون الى ان هناك نحو ثلاثة عشر مليون شجرة زيتون موزعة في مختلف المحافظات الفلسطينية.

وبينت الاحصائيات ان محافظة جنين تحتل الصدارة في الانتاج، تليها طولكرم ورام الله ونابلس، بينما تأتي محافظات اخرى في مراتب متفاوتة. واكدت التقارير ان غزة التي كانت تضم ملايين الاشجار فقدت معظم غطائها الشجري ومعاصرها، مما ادى الى تراجع انتاج القطاع من الاف الاطنان الى ارقام متدنية جدا.

واضافت المصادر الرسمية ان عدد المزارعين في غزة انخفض بشكل دراماتيكي، كما تراجعت شركات التخليل والمعاصر بشكل كبير، مما يعكس حجم الكارثة التي لحقت بالقطاع الزراعي نتيجة الحرب المستمرة.

خسائر فادحة وقيود على المزارعين

وكشفت فرق التوثيق في وزارة الزراعة عن اتلاف واقتلاع مئات الالاف من اشجار الزيتون في الضفة خلال السنوات الاخيرة. واكد طارق ابو لبن الوكيل المساعد في الوزارة ان مساحات شاسعة من الاراضي باتت خلف الجدار العازل او في مناطق التماس مع المستوطنات، مما يجعل الوصول اليها امرا بالغ الصعوبة.

واظهرت البيانات الرسمية تصاعدا مخيفا في حجم الخسائر المالية والاعداد المتضررة من الاشجار سنويا منذ عام الفين وثلاثة وعشرين وحتى وقتنا الحالي. واشار التقرير الى ان الخسائر المادية المباشرة للمحاصيل والاشجار تتجاوز مئات الملايين من الدولارات، مما يضع المزارع الفلسطيني امام واقع اقتصادي مرير.

واكدت التقارير ان الاحتلال يمنع المزارعين من الوصول الى اراضيهم الا في حالات نادرة وبتصاريح مقيدة، مما يترك الاشجار عرضة للتلف او السرقة من قبل المستوطنين الذين يستغلون غياب اصحاب الارض.

أهداف الاحتلال من استهداف الزيتون

وبين عبد الله ابو رحمة مدير عام دائرة العمل الشعبي ان استهداف الزيتون يحمل ابعادا اقتصادية وقانونية خبيثة. واضاف ان الاحتلال يسعى من خلال تدمير الاشجار ومنع المزارعين من الوصول الى اراضيهم الى دفعهم لهجرها، مما يسهل عملية مصادرتها لاحقا تحت ذريعة انها اراض بور او اراض دولة.

واوضح ان الارض المزروعة بالزيتون تمثل صمودا قانونيا ووطنيا، ولذلك يركز الاحتلال على تحويلها الى خراب لكسر ارتباط الفلسطيني بأرضه. واشار الى ان هذه الممارسات تأتي ضمن سياسة ممنهجة لتفريغ الاراضي الفلسطينية من اصحابها الاصليين لصالح التوسع الاستيطاني.

وختم الخبراء بالتأكيد على ان شجرة الزيتون ستبقى رمزا للهوية الفلسطينية، رغم كل محاولات الاقتلاع والتدمير التي تواجهها، مؤكدين على اهمية الدعم الدولي والمحلي لتعزيز صمود المزارعين في وجه هذه التحديات.