كشفت تقارير صحفية حديثة عن اندلاع ازمة حادة داخل شبكة سي بي اس نيوز الامريكية بعد اقدام محررة الشؤون الخارجية شايندي رايس على حذف حصيلة الشهداء الفلسطينيين في غزة من تقرير تلفزيوني. واظهرت الوثائق ان رايس وصفت هذه الارقام خلال اجتماع داخلي بانها رقم سحري معتبرة ان ذكرها يعد استعراضا لا طائل منه. واضافت المحررة في تهديد صريح لموظفيها ان اي محاولة للعصيان او الاعتراض على هذا التوجه التحريري ستكون سببا قانونيا كافيا للفصل من العمل.

وتابعت التقارير ان هذا الموقف جاء خلال تقرير اعدته مراسلة الشؤون الخارجية هولي ويليامز حول الذكرى السنوية لهجوم السابع من اكتوبر. وبينت التسجيلات المسربة ان رايس قضت نحو 15 دقيقة في توبيخ الفريق الصحفي بسبب تمسكهم بذكر حصيلة القتلى التي تجاوزت 74 الف شهيد. واكدت المحررة خلال النقاش ان الارقام لا تنقذ الفلسطينيين في محاولة منها لتبرير سياسة التعتيم التي تتبعها الشبكة.

واوضحت المصادر ان هذه التطورات تأتي في ظل مخاوف متزايدة من هيمنة توجهات منحازة على سياسة الشبكة منذ ان تولى ديفيد اليسون السيطرة عليها وتعيينه باري وايس في منصب رئيسة تحرير الاخبار. واشارت التقارير الى ان وايس معروفة بمواقفها الداعمة لاسرائيل وهو ما انعكس على هيكلية التحرير وطريقة التعامل مع تغطية الحرب في قطاع غزة.

تغييرات هيكلية وضغوط تحريرية

واضافت المعطيات ان وايس سعت منذ توليها المنصب الى تغيير طاقم العمل وتعيين شخصيات تتبنى رؤيتها التحريرية. واكدت التقارير ان كلير داي المحررة السابقة تعرضت لضغوط كبيرة واقيلت من منصبها بسبب رفضها لتعليمات تقليص حجم التغطية المتعلقة بالمعاناة الانسانية في غزة. وبينت التحقيقات الداخلية التي اجريت حينها ان داي كانت ملتزمة بالمعايير المهنية رغم محاولات الادارة الجديدة تصوير ادائها كتحيز.

وتابعت التقارير ان ازمة الثقة في الارقام ليست وليدة اللحظة بل هي نهج متبع منذ اشهر طويلة. واوضحت ان مسؤولين امريكيين واسرائيليين سعوا مرارا للتشكيك في دقة بيانات وزارة الصحة الفلسطينية. وكشفت ان مجلس النواب الامريكي اقر في وقت سابق مشروع قانون يمنع وزارة الخارجية من الاستشهاد بهذه الارقام في تقاريرها الرسمية.

واضافت المصادر ان هناك مراكز ابحاث في واشنطن تتبنى خطابا مشابها للادارة الاسرائيلية في التشكيك بالارقام. وشدد هؤلاء على ان الارقام غير قابلة للتصديق الا ان الواقع اثبت عكس ذلك في مناسبات عدة. واكدت تقارير اعلامية ان مسؤولين في الجيش الاسرائيلي اعترفوا في احاديث مغلقة بدقة الارقام الصادرة عن غزة قبل ان يضطروا للتراجع تحت ضغط سياسي.

تغييب الحقيقة عن الشاشات

وبين التقرير ان التلاعب بالمعلومات لا يقتصر على الشبكات الامريكية بل يمتد الى الاعلام الاسرائيلي الذي بدأ في تغييب حصيلة القتلى عن نشراته منذ بداية الحرب. واوضح الصحفي نير حسون ان الاعلام الدولي يمنح الجيش الاسرائيلي ثقة زائدة دون تقديم اي معلومات حقيقية او موثقة. واكد ان هناك رغبة متعمدة في عدم الحديث عن الفلسطينيين سواء اثناء قتلهم او بعد ذلك.

واضاف اورين برسيكو ان الارقام في اسرائيل اختفت تماما من المشهد الاعلامي كلما ارتفعت معدلات القتل. واوضح ان القضية لم تعد تتعلق بالتشكيك في المصداقية بل بالرغبة في تجاهل الواقع الانساني تماما. وكشفت الممارسات الحالية ان هناك استراتيجية اعلامية تهدف الى طمس الحقائق وتغييب حجم الماساة عن الراي العام العالمي.

واكدت التقارير في ختامها ان هذه الممارسات داخل المؤسسات الاعلامية الكبرى تثير تساؤلات حول مستقبل الصحافة المهنية. وبينت ان الضغوط التي تمارسها الادارات التحريرية تخلق بيئة عمل خانقة تهدف الى تكميم الافواه وتغيير الحقائق. واوضحت ان هذه الازمات الداخلية تعكس حالة الانقسام والتوتر في التعامل مع الاحداث الكبرى في المنطقة.