اثارت التوجيهات الاخيرة الصادرة عن رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان والقاضية بالغاء الرسوم الجمركية على السلع الغذائية ورفع قيود الاستيراد حالة من الانقسام الحاد في الشارع السوداني وعلى منصات التواصل الاجتماعي بين مؤيد يرى فيها مخرجا من ازمة الغلاء ومعارض يحذر من تبعاتها الاقتصادية الخطيرة. واصدر البرهان تعليمات مباشرة لوزارتي المالية والتجارة والصناعة بفتح باب الاستيراد امام الجميع دون عوائق جمركية للمواد الاساسية بما في ذلك الخضروات والفواكه والدقيق والزيوت واللحوم والبقوليات. واكدت هذه الخطوة رغبة السلطات في محاصرة الارتفاع الجنوني في الاسعار وتوفير السلع للمواطنين بعد تدهور القدرة الشرائية بشكل ملحوظ خلال الفترة الماضية.
واضاف انصار هذا القرار ان هذه الخطوة تعد استجابة ضرورية للضغوط المعيشية التي يعاني منها المواطن البسيط حيث يامل الكثيرون في ان يؤدي فتح باب المنافسة والغاء الجمارك الى كسر احتكار السلع وخفض تكلفتها النهائية في الاسواق. وشدد العديد من المتابعين على ان هذا القرار يمثل بارقة امل لكسر شوكة الغلاء الفاحش الذي طال كافة الاحتياجات اليومية للاسر السودانية معتبرين اياها خطوة شجاعة وانحيازا واضحا لطبقات المجتمع الاكثر تضررا من الاوضاع الاقتصادية الحالية.
وبين المؤيدون ان التوقيت كان مناسبا جدا بالرغم من تاخره في نظر البعض حيث اشاروا الى ضرورة تطبيق هذه الاجراءات على ارض الواقع بشكل سريع لضمان وصول الدعم الى مستحقيه بدلا من بقائها مجرد قرارات مكتبية لا اثر لها في حياة الناس اليومية.
مخاطر اقتصادية وتحديات العملة الوطنية
وحذر خبراء واقتصاديون من ان الانفتاح الكبير في الاستيراد قد يلقي بظلال قاتمة على استقرار العملة المحلية في ظل شح الموارد من النقد الاجنبي. واوضح المعارضون للقرار ان زيادة الطلب على العملات الصعبة لاستيراد الغذاء ستؤدي حتما الى مزيد من الضغوط على الجنيه السوداني وهو ما قد يفاقم من ازمة التضخم بدلا من حلها. واكد هؤلاء ان الميزان التجاري السوداني يعاني اصلا من اختلالات هيكلية كبيرة حيث تتجاوز الواردات حجم الصادرات بمراحل مما يجعل من سياسة الاستيراد المفتوح تهديدا مباشرا للاحتياطيات النقدية المحدودة.
واضاف اخرون ان حماية المنتج المحلي يجب ان تكون اولوية قصوى حيث ان اغراق السوق بالسلع المستوردة المعفاة من الجمارك سيؤدي الى تراجع قدرة المزارع والمنتج الوطني على المنافسة مما ينذر بانهيار قطاعات انتاجية حيوية كانت تعول عليها الدولة في تحقيق الاكتفاء الذاتي. وشدد المنتقدون على اهمية وجود رقابة صارمة تضمن انخفاض الاسعار فعليا بدلا من ذهاب فارق السعر الى جيوب التجار والمستوردين دون ان يلمس المواطن اي تحسن حقيقي في تكلفة المعيشة.
وبين المتابعون ان الجدل يزداد تعقيدا مع تراجع قيمة الجنيه في السوق الموازية وارتفاع تكاليف الدولار الجمركي مما يضع الحكومة في مأزق حقيقي بين ضرورة خفض الاسعار والحفاظ على تماسك الاقتصاد الكلي من الانهيار.
تداعيات الازمة المعيشية والضغط الشعبي
وكشفت التطورات الاخيرة عن حجم السخط الشعبي تجاه السياسات الاقتصادية السابقة خاصة مع ارتفاع سعر الدولار بالسوق الموازي لمستويات قياسية غير مسبوقة. واوضح مراقبون ان قرارات البرهان جاءت تحت ضغط شعبي كبير ومطالبات واسعة باصلاحات جذرية في الملف الاقتصادي وتغيير الطاقم الحكومي المسؤول عن ادارة الازمات. واكدت هذه الاحداث ان الشارع السوداني بات اكثر وعيا ومتابعة لتفاصيل القرارات الحكومية واثارها المباشرة على قوت يومه.
واضاف المواطنون ان التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في اصدار القرارات بل في كيفية تنفيذها بفاعلية تضمن استدامة توفر السلع دون المساس باستقرار العملة الوطنية. وشدد الكثيرون على ان الحلول الترقيعية لم تعد تجدي نفعا في ظل ظروف اقتصادية بالغة التعقيد تتطلب رؤية شاملة تعيد للجنيه قيمته وتدعم الانتاج الوطني بدلا من الاعتماد الكلي على الاستيراد من الخارج.
وبين ان هذه التوجيهات تضع الحكومة امام اختبار حقيقي لاثبات مدى قدرتها على ادارة الازمات بشكل مهني يوازن بين متطلبات السوق وبين الحفاظ على المكتسبات الوطنية والعملة المحلية من التآكل.
