تواجه نساء غزة تحديا مزدوجا في ظل استمرار الحرب، حيث يمتزج وجع الإصابة بمرض سرطان الثدي مع مرارة فقدان الإمكانات الطبية اللازمة للتشخيص والعلاج. وتكشف شهادات حية لمصابات عن رحلة شاقة تبدأ من محاولات التشخيص الأولية وتصل إلى طريق مسدود بسبب نقص الأدوية الحاد وتوقف الأجهزة الطبية عن العمل، مما يضطر الكثيرات إلى انتظار أذونات السفر للعلاج خارج القطاع في ظل ظروف إنسانية بالغة التعقيد.

وأوضحت المصورة الرياضية نيللي المصري التي اكتشفت إصابتها مؤخرا، أن المرض يفرض واقعا جديدا يتطلب صمودا نفسيا وجسديا كبيرا. وبينت أنها رغم عملها في الميدان الرياضي، وجدت نفسها في مواجهة مع هاجس نقص الأدوية، مؤكدة أنها تسعى جاهدة للحصول على تحويل طبي لتلقي العلاج المناسب بعيدا عن مرافق غزة المنهكة.

واكدت بيانات وزارة الصحة في غزة أن هناك آلاف المرضى الذين يعانون من الأورام، من بينهم مئات المصابات بسرطان الثدي اللواتي يجدن أنفسهن في سباق مع الزمن. وكشفت التقارير الطبية أن الحرب تسببت في توقف معظم أجهزة الماموغرام، مما جعل الكشف المبكر عن المرض أمرا في غاية الصعوبة.

واقع مرير يفاقم معاناة المصابات

وبين المدير الطبي لمركز غزة للسرطان الدكتور محمد أبو ندى أن الواقع الصحي الحالي أدى إلى تراجع كبير في جودة الخدمات المقدمة للمريضات. وأوضح أن غياب العلاج الإشعاعي يجبر الأطباء أحيانا على اتخاذ قرارات جراحية قاسية مثل الاستئصال الكامل للثدي بدلا من إزالة الورم فقط، وذلك لضمان عدم الحاجة لجلسات إشعاعية غير متوفرة.

وأضاف أبو ندى أن نقص الأدوية الكيمياوية وصل إلى مستويات قياسية، مما دفع الطواقم الطبية للبحث عن بدائل محدودة للغاية. وشدد على أن استشهاد الكوادر الطبية وهجرة بعضهم قد أثرا بشكل مباشر على دقة ومتابعة الحالات المرضية، مشيرا إلى أن الأرقام المسجلة لا تعكس الحجم الحقيقي للمأساة بسبب صعوبة الوصول للمراكز الصحية.

واشار إلى أن مراكز العلاج تحولت إلى مباني مؤقتة لا تتناسب مع احتياجات مرضى السرطان، حيث يختلط المراجعون في ممرات ضيقة وسط نقص حاد في المستلزمات الأساسية. وأكد أن استمرار هذا الوضع يهدد حياة المئات من النساء اللواتي ينتظرن جرعاتهن العلاجية التي قد لا تصل في موعدها.

جرعات معلقة بين الأمل والانتظار

وقالت المريضة زينب عنبر التي خضعت لعملية استئصال، إن رحلتها العلاجية تعثرت عند الحاجة لجرعات كيمياوية إضافية غير متوفرة. وأضافت أنها تقطع مسافات طويلة وتنتظر لساعات طويلة للحصول على الرعاية في مجمع الشفاء الطبي، مؤكدة أن تكاليف العمليات الجراحية المرتفعة تشكل عبئا إضافيا لا تطيقه العائلات.

وتابعت سوزان النحال التي تقيم في خيمة مخصصة لمرضى السرطان، أنها ترفض تلقي العلاج المتاح داخل القطاع وتصر على السفر للخارج لضمان فرصة حقيقية للنجاة. وبينت أن حالتها الصحية تدهورت بشكل كبير خلال العامين الماضيين من الانتظار، مشيرة إلى أن فقدانها لمنزلها واستقرارها النفسي زاد من حدة معاناتها مع المرض.

واختتمت سوزان حديثها بأنها تحاول التمسك بتفاصيل حياتها اليومية داخل الخيمة رغم قسوة الظروف. وأكدت أن مريضات سرطان الثدي في غزة يعشن حالة من الترقب المستمر، بين واقع صحي منهار وبين أمل ضئيل في الحصول على إذن سفر ينقذ حياتهن قبل فوات الأوان.