كشفت كريستين لاغارد رئيسة البنك المركزي الاوروبي عن قرارها بمغادرة منصبها في السابع من فبراير القادم وذلك قبل تسعة اشهر من انتهاء ولايتها الرسمية في خطوة مفاجئة تفتح الباب امام سباق مبكر لاختيار خليفتها في توقيت دقيق يعيش فيه الاقتصاد الاوروبي تحديات مركبة تتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية. واوضحت لاغارد ان هذه الخطوة تاتي في وقت يواجه فيه البنك ضغوطا تضخمية متجددة مرتبطة بارتفاع اسعار الطاقة نتيجة التوترات الجيوسياسية الراهنة مما يفرض تحديات نقدية معقدة تتطلب حكمة في التعامل دون الاضرار بمسار النمو الاقتصادي الهش. واضافت المؤسسة النقدية الاوروبية في بيانها الاخير ان قرار تثبيت اسعار الفائدة جاء في ظل حالة من الترقب والحذر من صدمة طاقة قد تعيد التضخم الى واجهة الاحداث مما يضع الاسواق في حالة استنفار دائم نحو قرارات نقدية اكثر حزما في المستقبل القريب.

تداعيات صدمة الطاقة على السياسة النقدية

واكد البنك المركزي الاوروبي في تقاريره الاخيرة ان استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة يفاقم المخاطر المحيطة بتوقعات التضخم ويدفع بمؤشرات النمو نحو الجانب السلبي مما يجعل المهمة امام القيادة القادمة اكثر صعوبة في ظل تشديد ظروف التمويل. وبينت البيانات الاقتصادية ان الفجوة بين عوائد السندات الفرنسية والالمانية قد اتسعت بشكل ملحوظ مما يعكس قلق المستثمرين من وضع الدين العام والافاق المالية في منطقة اليورو. واشار محللون الى ان البنك سيظل يراقب هذه الضغوط عن كثب مع الاحتفاظ بكامل ادواته النقدية للتدخل عند الضرورة من اجل ضمان استقرار الاسواق المالية وتجنب اي اضطرابات قد تطيح بالاستقرار الاقتصادي العام.

حسابات الخلافة في ظل المشهد السياسي

وذكر الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ان عملية الانتقال في قيادة البنك المركزي الاوروبي يجب ان تتم بطريقة منظمة ومتوازنة بالتنسيق الكامل مع الشركاء الاوروبيين مشددا على اهمية الحفاظ على الاستقرار الذي يتحقق بالعمل الحازم وخدمة المصلحة العامة. وكشفت التقديرات السياسية ان رحيل لاغارد المبكر يمنح القادة الاوروبيين فرصة ذهبية لحسم ملف الخلافة قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية في ظل تصاعد نفوذ اليمين المتطرف وما قد يترتب عليه من تغييرات في موازين القوى داخل القارة العجوز. واضافت المصادر ان هناك عدة اسماء مرشحة بقوة لتولي هذا المنصب الرفيع من بينهم مسؤولون سابقون في بنوك مركزية وطنية ممن يتمتعون بخبرة واسعة في ادارة السياسات النقدية والتعامل مع الازمات المالية الدولية.

مستقبل البنك المركزي واستقلالية القرار

واظهرت التطورات الاخيرة ان المرحلة المقبلة ستضع الرئيس الجديد امام اختبار حقيقي للحفاظ على استقلالية السياسة النقدية بعيدا عن التجاذبات السياسية مع ضرورة الموازنة بين كبح التضخم وتجنب السياسات التقشفية المفرطة التي قد ترهق الاقتصادات المثقلة بالديون. وبينت التجارب السابقة ان ادارة البنك المركزي الاوروبي تتطلب مهارة عالية في اتخاذ القرارات الجماعية التي تراعي التباينات الاقتصادية بين الدول الاعضاء في منطقة اليورو. واكد خبراء ان ارث لاغارد الذي شمل ادارة ازمة كورونا وموجات التضخم اللاحقة سيكون المرجع الاساسي للقيادة القادمة في كيفية التعامل مع الازمات الجيوسياسية والاقتصادية الطارئة لضمان استمرار الثقة في المؤسسة المالية الاهم في اوروبا.