وضعت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني الاقتصاد الفرنسي في دائرة الخطر بعد ان قررت خفض نظرتها المستقبلية لتصنيف البلاد من مستقرة الى سلبية، وتأتي هذه الخطوة لتعكس تنامي المخاوف الدولية من عجز الحكومة عن السيطرة على مسار الدين العام المتصاعد، في ظل ظروف اقتصادية صعبة وتحديات مالية متراكمة تضغط على الميزانية العامة.
واكدت الوكالة في تقييمها الجديد ان استمرار تباطؤ النمو الاقتصادي والانقسامات السياسية والاجتماعية باتت تشكل عائقا حقيقيا امام جهود ضبط الانفاق، وبينت ان تصنيف فرنسا الائتماني لا يزال عند مستوى ايه بلس، الا انها حذرت من ان هذا الوضع مهدد بالخفض في حال لم تظهر مؤشرات ملموسة على تحسن الوضع المالي للبلاد.
وكشفت التقديرات الاخيرة ان نسبة الدين العام الى الناتج المحلي الاجمالي مرشحة للارتفاع بشكل كبير خلال السنوات القليلة المقبلة، متجاوزة التوقعات السابقة للوكالة، مما يشير الى فجوة كبيرة بين الطموحات الحكومية والواقع المالي الذي تعيشه فرنسا حاليا.
ضغوط التمويل وتحديات الموازنة
واوضحت فيتش ان ضعف النمو الاقتصادي وتراجع كفاءة المالية العامة اديا الى ارتفاع عوائد السندات، مما زاد من تكاليف الاقتراض الحكومي بشكل ملحوظ في الاسواق الدولية، واشارت الى ان هذا المسار يضع الحكومة في مأزق حقيقي حيث اصبحت تكلفة تمويل العجز تشكل عبئا اضافيا على كاهل الميزانية العامة.
واضافت البيانات الاقتصادية الصادرة عن المعهد الوطني للاحصاء قتامة على المشهد، حيث سجل الناتج المحلي انكماشا في عدة فصول متتالية، مما دفع مسؤولي الاقتصاد للتحذير من ان الاقتصاد بات في حالة توقف تام، وهو ما يعقد مهمة تمرير موازنة تقشفية قادرة على خفض العجز الى المستويات المستهدفة.
وشددت الوكالة على ان الخطة الحكومية لضبط المالية العامة تبدو طموحة لكنها تفتقر الى الواقعية في ظل ضعف معدلات النمو، متوقعة ان يظل العجز المالي مرتفعا في السنوات القادمة نتيجة الضغوط السياسية التي قد تجبر الحكومة على تقديم تنازلات برلمانية تقلل من فاعلية خطط الاصلاح المالي.
تداعيات الانقسام السياسي على الاستقرار المالي
وبينت التحليلات ان حالة الانقسام السياسي التي تعيشها فرنسا تزيد من حالة عدم اليقين لدى المستثمرين، واوضحت ان اقتراب الاستحقاقات الانتخابية يجعل من الصعب التوصل الى توافق وطني حول استراتيجية مالية طويلة الامد، مما يعزز المخاوف من استمرار تدهور المؤشرات الاقتصادية.
واكدت فيتش ان الاحتجاجات الاجتماعية والتوترات في الشارع الفرنسي بخصوص تكاليف المعيشة تزيد من صعوبة تنفيذ اي اجراءات تقشفية، واشارت الى ان غياب الرؤية السياسية الواضحة لمرحلة ما بعد الانتخابات يجعل من الصعب التنبؤ بمسار الدين العام في المستقبل القريب.
واختتمت الوكالة تقريرها بالاشارة الى ان قوة الاقتصاد الفرنسي وتنوع قطاعاته ووجوده ضمن منطقة اليورو لا يزال يمثل صمام امان، الا ان هذه العوامل وحدها لن تكفي لتجنب المخاطر ما لم يتم اتخاذ قرارات جريئة وحاسمة لمعالجة الخلل الهيكلي في المالية العامة واعادة التوازن للحسابات الوطنية.
