بقلم المحامي حسام العجوري

ألم يتعلم ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني من مناهجنا الأردنية؟ ألم يتعلم الأمراء الهاشميون في مدارس ومؤسسات هذا الوطن؟ ألم يتخرج من هذه المناهج آلاف الأطباء والمهندسين والقضاة والضباط والعلماء الذين حملوا مسؤولية بناء الأردن والدفاع عنه؟ فكيف تحولت هذه المناهج فجأة، في نظر الدكتور ذوقان عبيدات، إلى مناهج داعشية؟!

قرأت مقال الدكتور ذوقان عبيدات، وتوقفت عند إصراره على استخدام هذا المصطلح الخطير. فهناك فرق كبير بين نقد المناهج والمطالبة بتطويرها، وبين إطلاق اتهام يمس منظومة تعليمية وطنية كاملة.

يا دكتور ذوقان، إذا أردنا محاربة الإرهاب، فعلينا أن نبحث عن أسبابه الحقيقية، لا أن نختصر المشكلة في كتاب مدرسي أو بيت شعر أو عبارة أدبية.

هل المناهج المدرسية هي التي دفعت شباباً أردنيين إلى الوقوع في شباك التجنيد للقتال في روسيا؟ ألم نقرأ عن شباب استُدرجوا بعروض عمل ورواتب مغرية ووعود بمستقبل أفضل، ثم وجد بعضهم أنفسهم في جبهات القتال الروسية الأوكرانية؟

تخيل شاباً عاطلاً عن العمل، أمضى سنوات يبحث عن وظيفة، ولا يجد ما يؤمّن به مستقبله. يأتيه شخص يعرض عليه راتباً مغرياً، ويعده آخر بالجنة والحور العين، ويقدم له خطاباً دينياً وعاطفياً يستغل حاجته وضعف ظروفه الاقتصادية. فهل نتوقع أن تكون مواجهة هذه الإغراءات سهلة على شاب لم يجد فرصة عمل تحفظ كرامته؟

أنا لا أبرر لمن ينخرط في الإرهاب أو القتال غير المشروع، لكنني أسأل: لماذا لا نناقش البطالة والفقر وغياب الفرص الاقتصادية باعتبارها ثغرات يستغلها المجندون وتجار الحروب؟

أين أنت من دور مواقع التواصل الاجتماعي؟

ألا تعلم أن الجماعات المتطرفة وشبكات التجنيد تستخدم منصات مثل فيسبوك وتلغرام لاستهداف الشباب، وبث أفكارها، واستدراجهم عبر الرسائل الخاصة والقنوات المغلقة، وتقديم الوعود المالية والوهمية؟

لقد أصبحت هذه المنصات جزءاً من ساحة الاستقطاب الإلكتروني، وتستخدمها جهات مختلفة لنشر الدعاية والتحريض والتجنيد.

أليس من الأولى أن نطالب بملاحقة الحسابات والقنوات التي تستغل الشباب وتروج للإرهاب، وإغلاقها وفق القانون، ومحاسبة القائمين عليها، بدلاً من تحويل المعركة إلى اتهام المناهج المدرسية؟

إن مواجهة التطرف تحتاج إلى رقابة رقمية فعالة، وتعاون مع شركات التكنولوجيا، وبرامج توعية تحمي الشباب من التضليل والاستغلال.

البطالة ليست رقماً في تقرير حكومي!

البطالة أزمة اجتماعية واقتصادية، وقد تتحول إلى مدخل يستغله تجار الحروب والجماعات المتطرفة. عندما يقف الشاب سنوات أمام أبواب الوظائف دون فرصة، يصبح أكثر عرضة لمن يبيعونه الأوهام تحت عناوين المال أو البطولة أو الدين.

نريد أن نسمع عن مشاريع تشغيل حقيقية، واستثمارات إنتاجية، وفرص عمل للشباب، وبرامج تحصّنهم بالفكر والوعي. فليس من المنطق أن نترك الشاب بلا عمل، ثم نبحث عن أسباب انحرافه في كتاب اللغة العربية!

ولا تخلط بين الدين والتطرف.

نحن مع مناهج تعلم التسامح وقبول الآخر واحترام جميع مكونات المجتمع الأردني، ومع تصحيح أي نص يحمل إساءة أو تمييزاً بحق الشركس أو المسيحيين أو أي مكون من مكونات وطننا.

لكن الإسلام ليس داعش، والمساجد ليست مصانع للإرهاب، والتربية الدينية ليست دعوة إلى التكفير. هناك فرق بين إنسان يتعلم دينه وقيمه وأخلاقه، وبين جماعة تستغل الدين لتجنيد الشباب وتحويلهم إلى أدوات في صراعات لا تخدم أوطانهم.

يا دكتور ذوقان، تطوير المناهج ضرورة، ومراجعة الأخطاء واجب، لكن تحويل النقد التربوي إلى اتهام شامل ليس إصلاحاً. ومن حقنا أن نسألك: هل درست الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والإلكترونية للتطرف بالقدر نفسه الذي درست به النصوص المدرسية؟

وأخيراً يا ذوقان عبيدات..

الأولى منك يا ذوقان أن يكون لك من اسمك نصيب من الذوق، وأن تُحسن تذوق واقع المجتمع قبل إصدار الأحكام على مناهج وطن بأكمله.

نحن لا ندافع عن خطأ، ولا نرفض التطوير، ولا نريد مناهج تلقينية، بل نريد تعليماً يصنع العقل الناقد، ويحترم الاختلاف، ويحافظ في الوقت ذاته على الهوية الدينية والوطنية.

لكننا نرفض أن تصبح المناهج شماعة نعلّق عليها فشلنا في معالجة البطالة، وغياب فرص العمل، والاستقطاب الإلكتروني، واستغلال الشباب من قبل تجار الحروب والجماعات المتطرفة.

الإرهاب لا تصنعه المناهج وحدها، ولا تحاربه المناهج وحدها. إنه نتاج عوامل فكرية واقتصادية واجتماعية وأمنية، ومواجهته تتطلب معالجة جميع هذه العوامل.

افتحوا أبواب العمل أمام الشباب، وحاصروا شبكات التجنيد الإلكتروني، وحاربوا خطاب الكراهية، وطوّروا التعليم، وعززوا الوعي الديني الصحيح.

أما أن نضع مناهج الأردن في قفص الاتهام، ونغض الطرف عن كل هذه الأسباب، فذلك اختزال لا يخدم الوطن ولا يحمي أبناءه.

الأردن يحتاج إلى من يبني عقول أبنائه ويحمي مستقبلهم، لا إلى من يختزل تاريخ مؤسساته التربوية في كلمة داعشية!