المستشار الإعلامي /جميل سامي القاضي .

ليس من السهل أن نقف أمام المشهد الذي شهدناه اليوم دون أن نستحضر سؤالا يتجاوز حدود الحادثة ذاتها: أين ذهبت فزعة الأردنيين؟ وأين تلك الفروسية والنخوة والشهامة التي طالما شكلت جزءا أصيلا من شخصية المجتمع الأردني، وكانت حاضرة في أشد الظروف وأصعب المحن؟

لقد اعتاد الأردنيون، عبر تاريخهم، أن تكون الفزعة موقفا لا يحتاج إلى دعوة، وأن تكون النجدة واجبا لا ينتظر مقابلا، وأن يكون الوقوف إلى جانب الآخر في لحظة الخطر عنوانا للرجولة والأصالة. ولم تكن هذه القيم مجرد موروث من حكايات الآباء والأجداد، بل كانت سلوكا عمليا تجلى في مواقف وطنية خالدة، حين امتزجت فروسية المواطن ببطولة الجندي، وتوحدت إرادة الشعب مع إرادة مؤسساته الأمنية والعسكرية في مواجهة الخطر.

لقد رأينا في محطات وطنية سابقة كيف كان الأردنيون يتسابقون إلى ميادين الواجب، وكيف كانت الفزعة تتقدم على حسابات الخوف، وكيف كان المواطن ورجل الأمن يقفان في خندق واحد، رغم شراسة المواجهة وخطورة الظروف. تلك المشاهد لم تكن استثناء عابرا، بل كانت تعبيرا عن منظومة قيم تربى عليها الأردنيون، عنوانها أن لا يترك الإنسان أخاه وحيدا في الشدة، وأن كرامة الوطن وأمنه مسؤولية يتشارك فيها الجميع.

لكن المشهد الذي تابعناه اليوم كان مؤلما ومثيرا للتساؤل؛ رجل أمن يتعرض لاعتداء وحشي، ومواطنون يقفون موقف المتفرج، وآخرون يحجمون عن تقديم المساعدة، بل إن بعض من وصل إلى المكان انسحب، في مشهد يختلف كثيرا عن الصورة التي ألفناها عن الفزعة الأردنية.

وليس المقصود هنا مطالبة المواطن بأن يلقي بنفسه في مواجهة الموت، أو أن يتصرف خارج حدود قدرته وإمكاناته، فمواجهة الإرهاب مسؤولية الأجهزة المختصة، والخوف غريزة إنسانية لا يمكن إنكارها. لكن ثمة فرقا كبيرا بين تقدير خطورة الموقف وبين الغياب الكامل لروح المبادرة والنجدة، وبين الحذر المشروع وبين أن يصبح الإنسان مجرد متفرج على استغاثة إنسان آخر.

وهنا تبدأ الأسئلة الأكثر عمقا:

هل تغيرت سايكولوجية المجتمع الأردني؟ هل تراجعت ثقافة الفزعة لصالح ثقافة الفردية والنجاة الذاتية؟ هل أصبحت مشاهد الخطر مادة للمشاهدة والتصوير بدلا من أن تكون دافعا للمساعدة والإسناد؟ أم أن هناك تحولات اجتماعية وتربوية ونفسية تستوجب البحث والتشخيص، قبل أن تتحول هذه الظاهرة إلى سلوك مألوف؟

والسؤال الأهم: إذا تعرض وطننا، لا قدر الله، لتهديد خارجي أو خطر يستدعي تلاحم أبنائه، فهل سنكون على مستوى المسؤولية؟ وهل ما زلنا نمتلك تلك الروح التي صنعت مواقف البطولة والفداء، وجعلت الأردنيين يتقدمون الصفوف دفاعا عن أرضهم وأهلهم وكرامتهم؟

إن الفروسية الأردنية ليست مجرد امتطاء للخيل، ولا النخوة مجرد كلمات تتردد في المناسبات، ولا الرجولة مظهرا اجتماعيا؛ إنها مواقف تظهر عند الشدائد، وأفعال تترجم معاني الانتماء، واستعداد لتحمل المسؤولية حين يحتاج الوطن والإنسان إلى الوقفة الصادقة.

إن ما حدث اليوم يجب ألا يمر مرور الكرام، ولا ينبغي أن يكون مناسبة لإدانة المجتمع أو إطلاق الأحكام على أفراده، بل يجب أن يكون جرس إنذار يدفعنا إلى مراجعة منظومة القيم التي نريد أن ننقلها إلى أجيالنا، وإعادة الاعتبار لمعاني الشهامة والنخوة والتكافل والنجدة، وتعزيز الثقة والتلاحم بين المواطن ورجل الأمن.

فالأردن لم يكن يوما قويا بسلاحه ومؤسساته وحدها، على عظيم دورها، بل كان قويا أيضا بأهله، بفزعتهم، وبوحدتهم، وباستعدادهم للوقوف إلى جانب بعضهم في ساعات الشدة.

إننا لا نريد أن تتحول الفزعة الأردنية إلى ذكرى نستحضرها، ولا أن تصبح الفروسية حكاية نرويها لأبنائنا عن زمن مضى؛ نريدها ثقافة حية، وسلوكا يوميا، وموقفا حاضرا حين ينادي الواجب.

فهل تغيرنا؟ ولماذا؟ وأين ذهبت تلك النخوة التي كانت تسبق النداء؟

أسئلة تستحق أن نواجهها بشجاعة، لأن الأوطان لا يحميها السلاح وحده، بل تحميها أيضا قلوب أبنائها حين تتوحد، وسواعدهم حين تتكاتف، وإرادتهم حين يصبح الوطن والإنسان أمانة في أعناق الجميع.