بينما يحيي العالم اليوم العالمي لحرية الصحافة، يعيش الاعلاميون الفلسطينيون واقعا مريرا يتأرجح بين القتل الميداني والاعتقال التعسفي خلف قضبان سجون الاحتلال. لقد تحول اصحاب الكلمة والصورة من ناقلين للقصص الانسانية إلى ضحايا لقصص مأساوية ترويها عائلاتهم المكلومة، في ظل صمت دولي يثير الكثير من التساؤلات حول جدوى الشعارات الحقوقية.

واظهرت المتابعات الميدانية لحالتي الصحفيين محمد ابو ثابت وحازم ناصر، حجم الملاحقة الممنهجة التي يتعرض لها الصحفيون الفلسطينيون، حيث تغيبهم زنازين العزل وتمنعهم من التواصل مع العالم الخارجي، مما يترك أثرا نفسيا واجتماعيا مدمرا على أطفالهم وذويهم الذين لا يجدون سبيلا للاطمئنان عليهم في ظل منع الزيارات.

واكدت عائلات الصحفيين المعتقلين ان غيابهم ليس مجرد فقدان لشخص، بل هو فقدان لسند العائلة ومصدر رزقها، حيث يواجه الاطفال صعوبة بالغة في استيعاب غياب آبائهم القسري، مطالبين العالم بضرورة التحرك العاجل لوضع حد لهذه الانتهاكات التي تهدف إلى تكميم الافواه وطمس الحقيقة.

معاناة العائلات في مواجهة الفقد

وبينت نوال ابو ثابت، والدة الصحفي المعتقل محمد، ان غياب نجلها ترك فراغا لا يمكن تعويضه، خاصة مع وجود خمسة من الابناء ينتظرون عودته، موضحة ان العائلة تتلقى اخبارا متضاربة عن مكان احتجازه في سجون مثل مجدو وعوفر، وسط تعتيم كامل من سلطات الاحتلال على ظروف اعتقاله.

واضافت الوالدة ان طفل محمد الصغير لا يزال يردد عبارات مؤلمة حول اعتقال والده وضربه، مما يعكس الحالة النفسية الصعبة التي يعيشها اطفال الصحفيين، مشيرة إلى ان التهم الموجهة لنجلها تتعلق بالتحريض والعمل الصحفي، وهو ما تراه محاولة مكشوفة لمنع توثيق جرائم الاحتلال الميدانية.

وشدد رضوان ابو ثابت، والد الصحفي محمد، على ان عمل نجله في الصحافة ليس تهمة، بل هو واجب مهني وانسان، داعيا المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته، ومبينا ان صمت العالم اليوم يعني غياب من سينقل الحقيقة غدا، مما يجعل القضية تتجاوز الفرد لتصبح قضية حرية تعبير مهددة بالكامل.

ملاحقة مزدوجة واستهداف ممنهج

واوضحت تجربة عائلة الصحفي حازم ناصر، المعتقل منذ اشهر طويلة، ان الاستهداف لا يفرق بين صحفي وآخر، حيث تعاني عائلته من غيابه في كافة تفاصيل حياتها اليومية، خاصة مع رفض طفله الاحتفال بعيد ميلاده دون حضور والده الذي كان يمثل له كل شيء.

واضاف عماد ناصر، والد الصحفي حازم، ان نجله سبق ان تعرض للاصابة برصاص الاحتلال في جنين قبل سنوات، وهو ما يجعله اكثر قلقا على وضعه الصحي داخل السجن، موضحا ان المؤسسات الصحفية المحلية والدولية لم تقدم الدعم الكافي، مما يعزز شعور العائلات بالتخلي عنهم في هذه الظروف القاسية.

وكشف مشهد حفيد عماد ناصر وهو يطلق عصفورا من قفصه ويسميه باسم والده، عن حجم الامل الممزوج بالالم الذي يعيشه اطفال الصحفيين، حيث يرى هؤلاء الصغار في تحرير العصافير رمزا لحرية آبائهم الذين دفعوا ثمن الكلمة الحرة من حريتهم الشخصية.

ارقام صادمة لواقع الصحافة

وبينت بيانات نادي الاسير الفلسطيني وهيئة شؤون الاسرى ان سلطات الاحتلال قتلت منذ بدء الحرب على غزة اكثر من 260 صحفيا وصحفية، في ما وصفته بانه جريمة قتل جماعي ممنهجة تهدف إلى عزل القطاع عن العالم ومنع نقل مآسي المدنيين.

واوضحت التقارير ان هناك نحو 40 صحفيا لا يزالون رهن الاعتقال، منهم 20 معتقلا اداريا دون تهم واضحة، بالاضافة إلى وجود صحفيين اثنين من غزة تحت بند الاخفاء القسري، مما يثير مخاوف حقيقية على حياتهم في ظل انعدام اي معلومات عنهم.

واضافت المؤسسات ان سياسة القتل البطيء والحرمان من العلاج ادت إلى استشهاد الصحفي مروان حرز الله داخل سجن مجدو، مؤكدة ان استمرار هذه الممارسات يضع حرية الصحافة في فلسطين على المحك، ويحتاج إلى تدخل دولي فوري لحماية من تبقى من الاعلاميين الميدانيين.