تعتمد السلطات في ايران في الوقت الراهن استراتيجية دعائية تعتمد على الخطاب القومي لتعزيز تماسك الجبهة الداخلية في ظل تزايد الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تواجهها البلاد. وتنتشر في شوارع طهران ملصقات ضخمة تروج للوحدة الوطنية والانتصار على القوى الخارجية، وذلك في محاولة واضحة لتجاوز الانقسامات التي خلفتها الاحتجاجات الشعبية السابقة وعمليات القمع التي تلتها.
واظهرت المشاهد الميدانية تنظيم السلطات لفعاليات ذات طابع عسكري، بما في ذلك حفلات زفاف جماعية تستخدم مركبات الحرس الثوري وتتضمن استعراضات لصواريخ باليستية. وبينت تقارير ميدانية ان المساجد تحولت الى مراكز للتدريب العلني على استخدام السلاح، في خطوة تهدف الى بث روح المقاومة الوطنية وتأكيد جاهزية النظام لمواجهة التحديات الخارجية والداخلية على حد سواء.
واكد محللون ان هذه الدعاية تمثل تحولا عن الشعارات الثورية التقليدية نحو خطاب قومي اكثر شمولا لاستهداف شرائح متنوعة من المجتمع. واضاف الخبراء ان هذا التحول يعكس اعترافا ضمنيا بتراجع تأثير الايديولوجيا الدينية التقليدية في الشارع، ومحاولة النظام لاستحضار رموز تاريخية وطنية قد تنجح في استمالة فئات كانت في السابق بعيدة عن دائرة التأييد السياسي.
تحولات الخطاب العسكري في الداخل الايراني
واوضح مراقبون ان النظام الايراني يعيش حالة من التغير الهيكلي، حيث انتقل مركز الثقل السياسي من رجال الدين الى قادة الحرس الثوري بشكل متزايد. واشاروا الى ان هذا الانتقال يظهر بوضوح في الصور الدعائية التي تبرز القادة العسكريين الى جانب شخصيات تاريخية قاومت التدخلات الاجنبية، مما يضفي صبغة عسكرية على الهوية الوطنية الايرانية في مواجهة التهديدات الراهنة.
وشدد خبراء التاريخ الحديث على ان محاولات النظام لاظهار ان الوضع طبيعي ومستقر، عبر السماح بظهور نساء غير محجبات في التجمعات الرسمية، تهدف الى ايصال رسالة مفادها ان الدولة موحدة في وجه الخصوم. وبينت التحليلات ان هذه الخطوات تهدف الى تحييد المعارضين المترددين، الا ان التشكيك في مصداقية هذه الرسائل لا يزال سيد الموقف لدى قطاع واسع من الشعب الايراني.
واشار مراقبون الى ان ملف مضيق هرمز لا يزال يشكل ركيزة اساسية في الحرب الدعائية، حيث تستخدمه السلطات للتلويح بقدرتها على التأثير في الاقتصاد العالمي والضغط على القوى الدولية. واضافت المصادر ان استخدام صور القادة العسكريين الى جانب ابطال التاريخ الوطني يهدف الى خلق حالة من الاصطفاف الشعبي خلف المؤسسة العسكرية باعتبارها حامية السيادة الوطنية في وقت يواجه فيه الاقتصاد خطر الانهيار.
مخاطر الرهان على الدعاية القومية
وكشفت التطورات الاخيرة ان النظام يسعى لتصوير الحرب على انها معركة وجودية ضد الدولة وليس ضد النظام السياسي نفسه. واكد محللون ان هذا التوجه يهدف الى تجنب العزلة الشعبية، لكنه يواجه تحديات كبيرة نظرا لعمق الازمة المعيشية التي يعاني منها المواطنون، حيث يرى الكثيرون ان هذه الشعارات لا تقدم حلولا للازمات الاقتصادية الخانقة.
وبينت مقابلات مع مواطنين ان هناك مخاوف حقيقية من ان تستخدم هذه الادوات الدعائية كغطاء لحملات قمع جديدة عند انتهاء الحاجة اليها. واضاف المتابعون للشأن الايراني ان التناقض بين الصور الدعائية والواقع المعيشي يخلق فجوة ثقة يصعب ردمها، مما يجعل نجاح هذه المقاربة في ضمان الولاء الشعبي امرا مشكوكا فيه على المدى البعيد.
واكد الخبراء ان استعراض القوة في المساجد والساحات العامة يرسل رسالة مزدوجة للداخل والخارج مفادها ان النظام مستعد للاستمرار في نهجه القاسي. واوضح المحللون ان هذه الممارسات تعزز من صورة النظام ككيان عسكري متصلب يسعى للبقاء عبر ترهيب معارضيه وتأطير المشهد العام بقوالب وطنية تخدم بقاء السلطة الحالية في سدة الحكم.
