شهدت خطابات عيد الاضحى في السودان تحولا لافتا في نبرة قادة طرفي النزاع حيث غلبت لغة السلام والاستقرار على خطابات الحسم العسكري المعتادة. ويبدو ان الرسائل المتبادلة هذا العام ابتعدت عن التصعيد المباشر لتركز على قضايا الامن وعودة النازحين واللاجئين في خطوة تعد الاولى من نوعها منذ اندلاع الحرب. واظهرت هذه الكلمات تغيرا في طبيعة الخطاب العام لدى الجيش وقوات الدعم السريع بعد اشهر طويلة من الوعيد والتحشيد العسكري.

واضاف مراقبون ان هذه التوجهات جاءت متزامنة مع ضغوط دولية واقليمية مكثفة لدفع الاطراف نحو تسوية سياسية توقف نزيف الدم. وبينت التحليلات ان الخطاب الرسمي اصبح اكثر ميلا لمفردات الاستقرار والوحدة الوطنية بدلا من لغة الحرب التي طغت على المشهد طوال الفترة الماضية. واكدت المصادر ان هذا التحول يعكس رغبة ضمنية في تهدئة الاوضاع وسط تدهور الازمة الانسانية التي تعصف بالبلاد.

واوضح رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان خلال ادائه صلاة العيد في ولاية نهر النيل انفتاح المؤسسة العسكرية على السلام وإنهاء الحرب. واشار البرهان في كلمته الى تطلعه لان تنعم البلاد بالامن والازدهار رغم تمسكه بضرورة تطهير الاراضي من التمرد. وشدد على دور السكان في نصرة البلاد وهو ما اعتبره متابعون مسارا جديدا في الاولويات السياسية للجيش.

تحولات في الخطاب السياسي لقادة السودان

وبين عضو مجلس السيادة الفريق ياسر العطا ان السودانيين يطمحون الى مستقبل يسوده الامن والامان معربا عن تفاؤله بقرب النصر. واكد العطا في خطابه على اهمية عودة اللاجئين الى ديارهم مشيدا بجهود القوات النظامية دون ان يطلق تهديدات عسكرية حادة كما كان يحدث في السابق. واضاف ان تطلعات المواطنين داخل وخارج البلاد تتركز اليوم على استعادة الاستقرار بعيدا عن لغة السلاح.

وكشف الفريق شمس الدين كباشي عن نهج اكثر هدوءا خلال ادائه صلاة العيد في ام درمان حيث اكتفى بتبادل التهاني مع المواطنين متمنيا السلام للبلاد. واشار محللون الى ان صمت كباشي عن اطلاق التصريحات النارية يعد تغيرا جوهريا في استراتيجيته الاعلامية. وشدد على اهمية الامن والاستقرار كأولوية قصوى في هذه المرحلة الحرجة التي يمر بها السودان.

واوضح قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو في خطابه المطروح للنقاش ان مشروعه يرتكز على بناء دولة المواطنة المتساوية والعدالة. واكد دقلو ان الحرب الحالية ليست صراعا على السلطة بل معركة تاريخية تهدف الى بناء جيش مهني وقومي بعيدا عن التسييس. واضاف ان قواته تسعى لترسيخ حقوق الجميع ورفض التهميش مع دعوة المجتمع الدولي لدعم رؤيته للمستقبل السوداني.

آفاق السلام في ظل الازمة الانسانية

وذكرت التقارير ان الخطابات السياسية الجديدة تعكس ادراكا متزايدا لدى الاطراف بضرورة خفض حدة التوتر في ظل الكارثة الانسانية المتفاقمة. واظهرت المؤشرات ان لغة التهديد تراجعت لصالح مفردات تتحدث عن الغذاء والدواء وحماية المدنيين. واشار خبراء الى ان هذه المرونة الكلامية قد تكون مقدمة لتهيئة الاجواء نحو مفاوضات سياسية جادة في المستقبل القريب.

واكدت المنظمات الدولية ان الاوضاع الانسانية في السودان بلغت حدا من الخطورة يتطلب تحركا عاجلا لوقف القتال. وبينت التقديرات ان ملايين النازحين ينتظرون بارقة امل حقيقية تتجاوز التصريحات العيدية نحو افعال ملموسة على الارض. واضافت ان استمرار تعثر التسوية يفاقم من خطر المجاعة وانهيار الخدمات الاساسية في مختلف انحاء البلاد.

وكشفت المعطيات الميدانية ان الشعب السوداني يتطلع الى نتائج ملموسة تنهي معاناته وتضمن عودة الحياة الطبيعية للمدن. واكد المراقبون ان اختبار النوايا الحقيقي يكمن في مدى قدرة الاطراف على تحويل هذه الخطابات الى اتفاقيات تنهي الحرب بشكل نهائي. واضافوا ان المرحلة القادمة ستكشف ما اذا كانت هذه النبرة الهادئة مجرد هدنة اعلامية ام بداية لمسار سياسي حقيقي نحو السلام.