تحولت امنية بسيطة راودت المزارع السوري عبد الكريم الطويل لسنوات طويلة الى واقع ملموس حين وقف اخيرا على اعتاب الكعبة المشرفة لاداء مناسك الحج هذا العام. هذا المشهد المهيب لم يكن مجرد رحلة دينية عادية بل توج مسيرة طويلة من المعاناة التي عاشها الرجل في ريف حمص بعد ان داهمت نيران الصراعات حياته الهادئة وحولتها الى سلسلة من الفواجع التي لن ينساها الزمن.

وكشفت تفاصيل القصة كيف ان الرجل الذي تجاوز الخمسين من عمره واجه اقدارا قاسية حين فقد تسعة من افراد اسرته المباشرين في ظروف مأساوية تخللتها الحروب والنزوح والاعتقال. واظهرت تلك التجربة الانسانية عمق الصبر الذي تحلى به هذا المزارع الذي كان يطمح في بداية حياته الى العيش بسلام وسط حقوله قبل ان تضطره الاحداث الى مواجهة مصير لم يكن في الحسبان.

وبينت الروايات ان الطويل الذي نجا من محاولات اعتقال واصابات جسدية بليغة بـ 11 رصاصة استقرت في جسده ظل متمسكا بحلمه في زيارة بيت الله الحرام. واكد ان ايمانه العميق كان بمثابة القوة التي دفعته لتجاوز مرارة فقدان ابنائه واشقائه الذين رحلوا واحدا تلو الاخر تاركين في قلبه جروحا غائرة لم تلتئم الا حين لامست قدماه ارض مكة المكرمة.

محطات الالم والامل في حياة الحاج السوري

واوضحت الاحداث ان مسيرة الرجل لم تكن مفروشة بالورود بل كانت مزيجا من العمل الشاق في الاراضي الزراعية والوقوف على خطوط المواجهة دفاعا عن قريته. واضاف ان ليلة القصف التي فقد فيها ابناءه كانت اللحظة الاصعب في حياته حيث اضطر لدفنهم بيده تحت جنح الظلام في مشهد يختزل كل معاني القهر والوجع الانساني الذي عاشه السوريون خلال سنوات الازمة.

واشار الطويل الى ان وجوده في الديار المقدسة اليوم هو بمثابة البلسم الذي خفف من وطأة الذكريات الاليمة التي حملها معه من ريف حمص. واكد ان لحظة وقوفه بملابس الاحرام البيضاء كانت بمثابة ميلاد جديد لروحه التي انهكها الترحال والبحث عن الامان في مسالك الحياة الوعرة.

وبين الحاج عبد الكريم ان الخدمات التي شاهدها في موسم الحج هذا العام كانت استثنائية بكل المقاييس. وشدد على ان التنظيم الدقيق والجهود المبذولة من قبل السلطات السعودية وفرت للحجاج الراحة والسكينة التي يحتاجها كل انسان مر بظروف قاسية مثله ليجد في نهاية المطاف ملاذا امنا يترجم معاني التكاتف الانساني بين الشعوب.

رسالة صبر من قلب الايمان

واوضح الطويل ان نظرتة للحياة تغيرت تماما بعد ان اتم مناسكه حيث لم يعد يرى في الماضي الا درسا في الصبر واليقين. واضاف ان ابناءه الذين رحلوا سيبقون دائما في ذاكرته كجزء من طريقه الى الله مبينا ان الحج كان الثمرة التي انتظرها طويلا ليعلن انتصار الارادة البشرية على كل انكسارات الواقع.

واكد ان تجربته الشخصية تحمل رسالة امل لكل من يمر بمحن مماثلة بان الامل لا ينقطع ما دام القلب ينبض باليقين. واختتم حديثه بالاشادة بحسن الضيافة والرعاية التي غمرت ضيوف الرحمن مما جعل من رحلته هذه ذكرى خالدة ستحفر في وجدانه الى الابد كرمز للسكينة بعد عاصفة طويلة من الفقد والشتات.