يواجه القطاع الصحي في غزة تحديات وجودية قاسية حيث اضطر الاطباء والصيادلة الى ابتكار حلول بدائية لاستمرار تقديم الخدمات الطبية وسط الدمار الشامل الذي طال البنية التحتية. ويستخدم الكوادر الطبية مواد بسيطة مثل الاخشاب والنايلون لبناء عيادات مؤقتة فوق انقاض المراكز التي دمرتها الغارات الاسرائيلية خلال الحرب المستمرة. واظهرت بيانات وزارة الصحة الفلسطينية ان ثمانين بالمئة من المنشات الطبية الخاصة خرجت عن الخدمة تماما مما دفع العاملين في القطاع الى محاولة البدء من الصفر في ظروف لا تلبي ادنى معايير الرعاية الصحية.

وكشف طبيب الاسنان رزق ابو حليمة ان عيادته التي كانت تضم احدث الاجهزة والكوادر المتخصصة تحولت الى كشك صغير مقام على ركام المبنى السابق. واوضح ان كل ما تبقى لديه هو جهاز وحيد وبعض الادوات التي انتشلها بصعوبة من تحت الانقاض. واكد ان معاناته تتفاقم بسبب منع ادخال المستلزمات الطبية الاساسية وارتفاع اسعار المواد المتاحة في السوق السوداء بشكل جنوني مما يضع الطبيب والمريض في مواجهة ازمة مركبة.

واضاف ان العمل في الحدود الدنيا يجعله يفتقر لمنظومات التعقيم واجهزة الاشعة الضرورية لتقديم تشخيص دقيق للحالات المرضية. وبين ان هدفه الحالي هو الاستمرار في تقديم الخدمة رغم المخاطر والظروف القاهرة املا في الانتقال الى مكان اكثر ملاءمة للعمل. وشدد على ان المرضى يعانون من الام حادة نتيجة نقص المسكنات والقدرة على التدخل الطبي السريع.

واقع القطاع الطبي في ظل الحصار

واستعرض الاطباء حجم المعاناة التي يواجهها قطاع طب الاسنان الذي بات يصارع من اجل البقاء. واكد ان اسعار المواد الطبية تضاعفت بشكل غير مسبوق مما اجبر العيادات المتبقية على رفع تكلفة الخدمات لتعويض النفقات وهو ما شكل عبئا اضافيا على كاهل المواطنين المنهكين اقتصاديا. واشار الى ان التحدي الاكبر يكمن في تأمين حشوات العصب والمواد التجميلية ومستلزمات التركيب التي اصبحت نادرة الوجود.

واظهرت الاحصائيات الرسمية ان الاحتلال استهدف عشرات المستشفيات ومراكز الرعاية الاولية ودمر مئات سيارات الاسعاف مما ادى الى شلل شبه تام في الخدمات الصحية الميدانية. وشدد الاطباء على ضرورة التدخل الدولي العاجل لضمان تدفق المستلزمات الطبية الاساسية. وبينوا ان هذه الخطوة هي السبيل الوحيد لخفض الاسعار وتخفيف معاناة المرضى الذين فقدوا كل سبل العلاج التقليدية.

وكشفت الصيدلانية شيرين الاطبش انها حولت كشكا صغيرا في مخيمات النزوح الى صيدلية بعد تدمير مقر عملها السابق. واوضحت ان التحدي لا يتوقف عند نقص الادوية بل يمتد الى صعوبة حفظها في ظل قطع التيار الكهربائي وارتفاع درجات الحرارة. واكدت ان المرضى يضطرون لشراء بدائل اقل كفاءة بسبب منع دخول الاصناف الاساسية المخصصة للامراض المزمنة.

ازمة الادوية وتهديد حياة المرضى

واوضحت التقارير الصادرة عن وزارة الصحة ان هناك تدهورا خطيرا يهدد حياة الالاف من المرضى الذين يعانون من امراض مزمنة. وبينت ان مرضى الفشل الكلوي يواجهون خطر توقف جلسات الغسيل بسبب نقص الفلاتر والمحاليل. واضافت ان غياب الانسولين لمرضى السكري يفاقم الحالات الصحية بشكل يومي.

واكدت الوزارة ان المئات من مرضى الهيموفيليا يواجهون مصيرا مجهولا في ظل انعدام العلاج اللازم لحالاتهم. وشدد الصيادلة على ان شح ادوية الاطفال والمستلزمات الطبية الضرورية للطوارئ يضع القطاع الصحي امام كارثة انسانية متفاقمة. واشاروا الى ان الحل يتطلب فتح المعابر بشكل دائم لادخال المساعدات الطبية الضرورية لانقاذ ما يمكن انقاذه.

واوضح العاملون في الميدان انهم يحاولون بذل اقصى جهودهم لتوفير البدائل المتاحة رغم قسوة الظروف. واكدوا ان استمرار الوضع الحالي يعني فقدان المزيد من الارواح التي كان يمكن انقاذها لو توفرت الادوات البسيطة. واضافوا ان الصيدليات والاكشاك الطبية الصغيرة ستظل هي الملاذ الاخير للمواطنين في ظل غياب المؤسسات الكبرى.