يواجه المجتمع الاردني تحديا صحيا واجتماعيا متزايدا في ظل ارتفاع معدلات التدخين بين الشباب واليافعين، حيث لم تعد هذه الظاهرة مجرد خيار فردي بل تحولت الى ازمة تنموية تستنزف الموارد وتؤثر على استقرار الاسر والاقتصاد الوطني. وتكشف التقارير الصحية الاخيرة عن استهداف مباشر للفئات العمرية الصغيرة، وسط تحذيرات من تداعيات صحية خطيرة تبدا من الامراض التنفسية وتصل الى السرطانات المزمنة التي تنهي حياة الالاف سنويا.

واكدت البيانات الرسمية ان نسبة متعاطي التبغ بمختلف اشكاله في المملكة تخطت حاجز الواحد وخمسين بالمئة، مع ملاحظة صادمة تشير الى ان الغالبية العظمى من المدخنين قد بدأوا هذه الممارسة قبل سن الرابعة والعشرين. واضاف المختصون ان هذه الارقام تعكس خللا في الوعي المجتمعي، خاصة مع تزايد اقبال الاناث على تدخين الارجيلة، مما يغير خارطة المدخنين في البلاد ويجعل من التدخين سلوكا اكثر انتشارا بين مختلف الفئات العمرية والاجتماعية.

وبينت الدراسات ان التكلفة الاقتصادية للتدخين تتجاوز الجانب الصحي، حيث ينفق المدخن مبالغ طائلة شهريا على السجائر، مما يثقل كاهل الاسر ويقلل من القدرة الانتاجية للافراد. واشار الخبراء الى ان التدخين السلبي يوسع دائرة الضرر لتشمل الاطفال والمحيطين، مما يفاقم الاعباء على النظام الصحي الوطني الذي يتحمل تكاليف علاجية باهظة للتعامل مع الامراض المرتبطة بالتبغ.

استراتيجيات المواجهة والرقابة الميدانية

واوضحت وزارة الصحة انها تعمل ضمن استراتيجية وطنية شاملة للحد من انتشار هذه الظاهرة عبر تكثيف الجولات الرقابية التي تجاوزت اربعين الف زيارة ميدانية في عام واحد. واضافت الوزارة انها بصدد تطبيق تعليمات صارمة تمنع عرض منتجات التبغ بشكل علني في المحال التجارية، مع إلزام البائعين بالتحقق من هوية المشتري لضمان عدم بيع هذه السموم للقاصرين تحت سن الثامنة عشرة.

واكدت الجهات المعنية ان هناك تعاونا وثيقا مع الامن العام ووزارة التربية والتعليم لتطبيق قانون الصحة العامة بحزم، مع منح صفة الضابطة العدلية لعدد كبير من الموظفين لضمان الالتزام داخل المؤسسات التعليمية والاماكن العامة. واضاف المسؤولون ان الوزارة توفر خدمات علاجية مجانية عبر عيادات متخصصة تساعد الراغبين في الاقلاع عن التدخين، مع تقديم الدعم النفسي والدوائي اللازم لزيادة فرص النجاح في التخلص من هذا الادمان.

وكشفت التقارير عن دور شركات التبغ في استخدام اساليب تسويقية خادعة تجذب الشباب من خلال النكهات والتصاميم المبتكرة، خاصة في السجائر الالكترونية. وشدد خبراء مكافحة السرطان على ضرورة رفع الضرائب على هذه المنتجات، كونها الوسيلة الاكثر فعالية في تقليل الاستهلاك، خاصة بين فئات الشباب والاشخاص ذوي الدخل المحدود الذين يمثلون الفئة الاكثر عرضة لهذه المخاطر.

نحو مستقبل خال من التبغ

واوضحت المؤسسات الصحية ان مكافحة التدخين تعد استثمارا طويل الامد في صحة المجتمع، حيث ان الاقلاع عن التبغ يقلل بشكل مباشر من احتمالية الاصابة بخمسة عشر نوعا من السرطانات. واضافت ان البرامج الوطنية لا تكتفي بالعلاج بل تركز على التوعية المستمرة وتغيير السلوك المجتمعي تجاه التدخين، باعتباره سببا رئيسيا في تراجع جودة الحياة والاصابة بالامراض المزمنة.

واكدت الدراسات ان الاثر البيئي لاعقاب السجائر وبطاريات السجائر الالكترونية يمثل تحديا اضافيا يتطلب معالجة فورية، نظرا لما تحتويه هذه النفايات من مواد كيميائية وبلاستيكية ضارة. وبينت النتائج ان التعاون بين القطاعين العام والخاص ومؤسسات المجتمع المدني هو السبيل الوحيد لخفض معدلات التدخين والوصول الى جيل اكثر صحة ووعيا بمخاطر التبغ.

وشددت الجهات المختصة على اهمية استمرار الحملات الاعلامية التي تفضح زيف الادعاءات حول بدائل التبغ، مؤكدة ان النيكوتين يظل مادة مدمرة للدماغ والجهاز العصبي مهما اختلفت اشكال تعاطيه. واختتم المختصون بالتاكيد على ان الالتزام بالقوانين والتشريعات الوطنية هو خط الدفاع الاول لحماية الاجيال القادمة من الوقوع في فخ الادمان.