بقلم: رمزي فودة

في الآونة الأخيرة، برزت ظاهرة متزايدة في بعض المدارس الخاصة بالأردن تتمثل في إخضاع الأطفال لمقابلات واختبارات تقييم قبل قبولهم في الصفوف الدراسية، حتى بات مصير طفل في السادسة أو السابعة من عمره مرتبطًا بانطباع لجنة أو مقابلة لا تتجاوز دقائق معدودة.

وهنا يبرز سؤال جوهري: أين دور وزارة التربية والتعليم في تنظيم هذه الممارسات والرقابة عليها؟ وهل أصبح التعليم سلعة انتقائية تمنح لمن يجتاز معايير بعض المدارس الخاصة، أم أنه حق أصيل كفله الدستور والقانون لجميع الأطفال دون تمييز؟

إن الوظيفة الأساسية للمدرسة هي تعليم الطفل وتنمية قدراته واكتشاف مواهبه، لا انتقاء الأطفال الجاهزين مسبقًا واستبعاد من يحتاجون إلى مزيد من الدعم أو الرعاية أو الوقت للتعلم والتكيف.

لقد نص الدستور الأردني في المادة (20) على أن التعليم الأساسي حق وواجب، وجعل التعليم الأساسي إلزاميًا، بما يعكس التزام الدولة بضمان وصول جميع الأطفال إلى التعليم دون إقصاء أو تمييز. كما أخضع المؤسسات التعليمية للرقابة الحكومية حمايةً للمصلحة العامة.

كما أن الأردن صادق على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، التي أكدت في المادة (2) مبدأ عدم التمييز بين الأطفال لأي سبب كان، ونصت المادة (3) على أن المصلحة الفضلى للطفل يجب أن تكون الاعتبار الأول في جميع القرارات المتعلقة به. أما المادة (28) فقد أكدت حق الطفل في التعليم على أساس تكافؤ الفرص، فيما شددت المادة (29) على أن يهدف التعليم إلى تنمية شخصية الطفل وقدراته ومواهبه إلى أقصى إمكاناتها.

وعندما يُرفض طفل بسبب خجله، أو بطء في النطق، أو اختلاف في الشخصية، أو نتيجة تقييم أولي محدود، فإننا نكون أمام ممارسة تثير تساؤلات جدية حول مدى انسجامها مع مبادئ العدالة التعليمية وتكافؤ الفرص، ومع فلسفة الحق في التعليم التي أكدت عليها التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية.

كما أكدت المادة (26) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن لكل شخص الحق في التعليم، فيما نصت المادة (13) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على التزام الدول بضمان الوصول العادل إلى التعليم للجميع.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في حالة فردية هنا أو هناك، بل في ترسيخ ثقافة فرز الأطفال إلى "مقبولين" و"غير مقبولين" قبل أن يحصلوا أصلًا على فرصة التعليم. فبدلًا من أن تكون المدرسة مساحة لاكتشاف القدرات وتنميتها، تتحول إلى مؤسسة تبحث عن الأطفال الأقل حاجة للدعم والأكثر جاهزية.

معالي الوزير،

إن المطلوب اليوم ليس مجرد تعميم إداري، بل موقف وطني واضح يحمي حق الطفل الأردني في التعليم ويضمن عدم تحول إجراءات القبول إلى وسيلة للإقصاء أو التمييز المقنع.

ومن هذا المنطلق، نطالب بما يلي:

1. إصدار تعليمات واضحة تنظم مقابلات القبول في المدارس الخاصة.
2. منع استخدام المقابلات كوسيلة لحرمان الأطفال من حقهم في التعليم.
3. إنشاء آلية رقابية فعالة لتلقي شكاوى أولياء الأمور والتحقيق فيها.
4. إلزام المدارس الخاصة بإعلان معايير القبول بشفافية ووضوح.
5. فرض إجراءات وعقوبات رادعة بحق أي جهة تعليمية تمارس التمييز أو الإقصاء غير المبرر.

إن قوة أي نظام تعليمي لا تُقاس بعدد الأطفال الذين يستطيع استبعادهم، بل بعدد الأطفال الذين يستطيع احتضانهم وتمكينهم من النجاح.

فالطفل ليس مشروعًا استثماريًا، ولا ملفًا يخضع لمقابلة عمل، بل إنسان له حق أصيل في التعليم والكرامة وتكافؤ الفرص.

وحين يصبح قبول الطفل في المدرسة امتيازًا تمنحه مؤسسة خاصة بدلًا من أن يكون حقًا تكفله الدولة وتحميه، فإن الخلل لا يكون في الطفل، بل في المنظومة الرقابية التي سمحت بحدوث ذلك.