تتصاعد المخاوف في الاوساط الدبلوماسية الفرنسية جراء استمرار المواجهات العسكرية بين اسرائيل وحزب الله وما تخلفه من تداعيات كارثية على الاراضي اللبنانية. وتراقب باريس بقلق بالغ انشغال المجتمع الدولي بالصراعات الاقليمية الاخرى وتطورات الملاحة البحرية التي جعلت الملف اللبناني يتراجع في سلم الاولويات العالمية. وتسعى الدبلوماسية الفرنسية عبر تحركات مكثفة يقودها الرئيس ايمانويل ماكرون بالتنسيق مع واشنطن لانتزاع مساحة اهتمام دولي تعيد الاستقرار الى الداخل اللبناني المنهك.

واكدت مصادر مطلعة ان الجهود الفرنسية تركز في المرحلة الراهنة على محورين اساسيين لضمان التهدئة. ويتمثل المحور الاول في الضغط من اجل العودة الى التزام فعلي بوقف اطلاق النار واعادة تفعيل آليات الرقابة الدولية التي جرى تهميشها مؤخرا. بينما يتركز المحور الثاني على التمهيد لترتيبات امنية جديدة تحل محل القوات الدولية الحالية مع ضمان استمرار الدعم اللوجستي والمادي للمؤسسة العسكرية اللبنانية لتمكينها من بسط سيطرتها الكاملة.

وبين المبعوث الفرنسي جان ايف لودريان عقب عودته من بيروت ان لبنان يواجه خطرا وجوديا يهدد وحدته وسيادة اراضيه نتيجة الفراغ المؤسساتي وتعدد مصادر السلاح. واوضح لودريان ان تفكك بنية الدولة وتفشي التوترات الطائفية بسبب ازمة النازحين يضع البلاد امام مفترق طرق خطير قد يقود الى انفجار اجتماعي لا تحمد عقباه. وشدد على ان استعادة الدولة لدورها السيادي تعد المدخل الوحيد للنجاة من هذا النفق المظلم.

استراتيجية الحل الدبلوماسي وشرط وقف العمليات العسكرية

واشار لودريان الى ان المفاوضات الجارية برعاية امريكية تتطلب شجاعة سياسية من القيادة اللبنانية لانتزاع مكاسب ميدانية ملموسة. واضاف ان النجاح في هذه المحادثات مرهون حصرا بالوقف المسبق لاطلاق النار كشرط لا يمكن تجاوزه لبدء الانسحابات التدريجية للقوات المسلحة. واكد ان هذا المسار هو الكفيل بضمان عودة الاهالي الى قراهم المحررة واعادة الاعتبار لهيبة الدولة على كامل ترابها الوطني.

وكشف لودريان عن رؤية فرنسية ترى في المفاوضات المباشرة فرصة حقيقية لتحقيق امن الحدود الذي تنشده كل الاطراف. واوضح ان استمرار التصعيد العسكري لا يخدم سوى الاجندات التي تعيق الحل السلمي وتدفع نحو مزيد من التعقيد. وشدد على ضرورة تحييد لبنان عن التجاذبات الاقليمية الكبرى لضمان عدم تحوله الى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الدولية والاقليمية.

واظهر المبعوث الفرنسي انتقادا واضحا لتعنت الاطراف المعنية بالصراع ومحاولات ربط الملف اللبناني بالملفات الاقليمية الاخرى. واضاف ان السياسة التي ينتهجها نتنياهو تساهم بشكل غير مباشر في تعزيز دور حزب الله نتيجة الضربات التي تطال المدنيين وتعمق الازمة الانسانية. وبين ان المخرج من هذه الازمة يتطلب ارادة دولية حقيقية تدعم الحكومة اللبنانية في مساعيها لاستعادة قرارها الوطني المستقل بعيدا عن الضغوطات الخارجية.