تتحول مدينة القدس المحتلة يوما بعد يوم الى ساحة مواجهة مفتوحة لا تقتصر على الميدان بل تمتد لتشمل عدسة الكاميرا التي باتت هدفا مباشرا لسلطات الاحتلال. وبينما يسعى الصحفيون المقدسيون لنقل الواقع المعاش في محيط المسجد الاقصى تفرض عليهم قيود امنية مشددة تهدف الى عزل المدينة عن محيطها وتغييب الحقيقة عن الراي العام العالمي.
واظهرت معطيات نقابة الصحفيين الفلسطينيين ان الانتهاكات بحق الاعلاميين سجلت ارقاما قياسية خلال الاعوام الاخيرة في محاولة ممنهجة لكسر ارادة الكلمة والصورة. وكشفت التقارير الموثقة ان مجموع الانتهاكات وصل الى مستويات غير مسبوقة مما يعكس رغبة واضحة في فرض تعتيم كامل على ما يجري داخل الازقة المقدسية.
وبينت لجنة القدس في النقابة ان مطلع العام الجاري شهد عشرات الانتهاكات التي طالت طواقم اعلامية ومصورين ميدانيين. واكدت ان الحكم بالسجن لمدة 20 شهرا على الصحفية بيان الجعبة يمثل ذروة هذه الممارسات القمعية ضد الكوادر الاعلامية في المدينة.
ملاحقة رقمية وقيود ميدانية
واضافت المصادر الميدانية ان الملاحقة لم تعد تكتفي بالاعتقال الجسدي بل امتدت لتطال الفضاء الرقمي عبر مراقبة حسابات الصحفيين وتوجيه تهم فضفاضة مثل التحريض. واوضحت ان هذه السياسة تهدف الى خلق حالة من الرقابة الذاتية لدى الصحفيين لتجنب الملاحقة القضائية.
واشارت بيانات مراكز رصد الانتهاكات الرقمية الى ان نسبة كبيرة من الحالات الموثقة استهدفت الاعلاميين بشكل مباشر. وشددت على ان اغلاق الحسابات وتقييد الوصول الى المحتوى اصبحا جزءا من استراتيجية تهدف الى عرقلة التغطية المهنية للاحداث الجارية.
وذكرت تقارير المركز ان مئات المحاولات لاختراق الحسابات الشخصية للصحفيين سجلت مؤخرا بالتوازي مع حملات انتحال شخصية. واكدت ان هذا الضغط الرقمي يأتي بالتزامن مع قرارات عسكرية بتصنيف منصات اعلامية فلسطينية كمنظمات محظورة بزعم الارتباط بأجندات معينة.
سياسة الابعاد وتكميم الافواه
واكد رئيس لجنة القدس في نقابة الصحفيين بلال كسواني ان الابعاد عن المسجد الاقصى اصبح اداة عقابية تستخدم بانتظام. واوضح ان هذه الاجراءات تشتد حدتها خلال الاعياد والمناسبات الدينية لمنع توثيق الاعتداءات الميدانية بحق المصلين.
واضاف كسواني ان التضييق الممنهج يدفع العديد من الصحفيين للاعتماد على مصادر رسمية محدودة خشية الاعتقال. وبين ان قضية الصحفية بيان الجعبة تعد نموذجا صارخا لما يواجهه الاعلاميون من احكام قاسية بعد فترات طويلة من الحبس المنزلي.
واشار الى ان استمرار العمل الاعلامي في القدس اصبح تحديا وجوديا يتطلب تضحيات كبيرة. وشدد على ان الصحفي المقدسي يرفض الانصياع لسياسة التعتيم ويصر على توثيق كل لحظة رغم التهديدات المستمرة بحق عائلته ومصدر رزقه.
حجب الحقيقة وخنق الرواية
وكشف الصحفي المقدسي سيف القواسمي ان وتيرة الملاحقات تصاعدت بشكل حاد بعد الاحداث الاخيرة في قطاع غزة. واوضح ان قوانين الطوارئ اصبحت تستخدم ذريعة لتنفيذ اعتقالات ادارية ضد كل من يحاول نقل الصورة الحقيقية من الميدان.
واضاف القواسمي ان المستوطنين يشاركون في هذه الحملات عبر التحريض المباشر على منصات التواصل الاجتماعي. واكد ان هذه الضغوط تهدف الى عزل الصحفي عن محيطه الاجتماعي وجعله هدفا مباحا للقوات الامنية في اي لحظة.
وبين ان حالة الترهيب التي يمارسها الاحتلال دفعت المواطنين العاديين الى تجنب الظهور في المقابلات الصحفية. واكد ان هذا الصمت القسري يخدم اجندة الاحتلال في طمس الحقائق ومنع وصول الرواية الفلسطينية الى المحافل الدولية.
استهداف ممنهج للاوقاف والاعلام
واكد مسؤول العلاقات العامة السابق في دائرة الاوقاف فراس دبس ان العمل الاعلامي داخل المسجد الاقصى اصبح في دائرة الاستهداف المباشر. واوضح ان عشرات الموظفين والاعلاميين تعرضوا لقرارات ابعاد ادارية تصل لعدة اشهر.
واضاف دبس ان مصادرة المعدات والكاميرات باتت ممارسة روتينية خلال جلسات التحقيق. وبين ان الهدف من هذه التصرفات هو افراغ المسجد الاقصى من الشهود الاعلاميين الذين يوثقون الانتهاكات اليومية بحق المصلين.
واشار الى ان تجربته التي تمتد لاكثر من 15 عاما جعلته يدرك ان الهدف النهائي هو فرض امر واقع جديد. وشدد على ان الصحفيين سيظلون متمسكين برسالتهم رغم كل محاولات الترهيب والابعاد التي تهدف الى اسكات صوت القدس.
